البرهان في تفسير القرآن - البحراني، السيد هاشم - الصفحة ٨٤٢ - ١- باب في ردّ متشابه القرآن إلى تأويله
وَ مِنَ الْقُرْآنِ إِلاَّ رَسْمُهُ،وَ غَابَ صَاحِبُ الْأَمْرِ بِإِيضَاحِ الْعُذْرِ لَهُ فِي ذَلِكَ،لاِشْتِمَالِ الْفِتْنَةِ عَلَى الْقُلُوبِ،حَتَّى يَكُونَ أَقْرَبَ النَّاسِ إِلَيْهِ أَشَدَّهُمْ عَدَاوَةً لَهُ،وَ عِنْدَ ذَلِكَ يُؤَيِّدُهُ اللَّهُ بِجُنُودٍ لَمْ تَرَوْهَا وَ يُظْهِرُ دِينَ نَبِيِّهِ(صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَ آلِهِ)عَلَى يَدَيْهِ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ وَ لَوْ كَرِهَ الْمُشْرِكُونَ.
وَ أَمَّا مَا ذَكَرْتَهُ مِنَ الْخِطَابِ الدَّالِّ عَلَى تَهْجِينِ النَّبِيِّ(صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَ آلِهِ)وَ الْإِزْرَاءِ بِهِ،وَ التَّأْنِيبِ لَهُ،مَعَ مَا أَظْهَرَهُ اللَّهَ تَبَارَكَ وَ تَعَالَى فِي كِتَابِهِ مِنْ تَفْضِيلِهِ إِيَّاهُ عَلَى سَائِرِ أَنْبِيَائِهِ،فَإِنَّ اللَّهَ عَزَّ وَ جَلَّ جَعَلَ لِكُلِّ نَبِيٍّ،عَدُوّاً مِنَ الْمُجْرِمِينَ، كَمَا قَالَ فِي كِتَابِهِ.وَ بِحَسَبِ جَلاَلَةِ مَنْزِلَةِ نَبِيِّنَا(صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَ آلِهِ)عِنْدَ رَبِّهِ كَذَلِكَ،عَظُمَ مِحْنَتُهُ لِعَدُوِّهِ الَّذِي عَادَ مِنْهُ فِي شِقَاقِهِ وَ نِفَاقِهِ كُلُّ أَذًى وَ مَشَقَّةٍ لِدَفْعِ نُبُوَّتِهِ وَ تَكْذِيبِهِ إِيَّاهُ،وَ سَعْيِهِ فِي مَكَارِهِهِ،وَ قَصْدِهِ لِنَقْضِ كُلِّ مَا أَبْرَمَهُ،وَ اجْتِهَادِهِ وَ مَنْ مَالَأَهُ عَلَى كُفْرِهِ وَ عِنَادِهِ وَ نِفَاقِهِ وَ إِلْحَادِهِ فِي إِبْطَالِ دَعْوَاهُ،وَ تَغْيِيرِ مِلَّتِهِ،وَ مُخَالَفَةِ سُنَّتِهِ،وَ لَمْ يَرَ شَيْئاً أَبْلَغَ فِي تَمَامِ كَيْدِهِ مِنْ تَنْفِيرِهِمْ عَنْ مُوَالاَةِ وَصِيِّهِ،وَ إِيحَاشِهِمْ مِنْهُ،وَ صَدِّهِمْ عَنْهُ،وَ إِغْرَائِهِمْ بِعَدَاوَتِهِ،وَ الْقَصْدِ لِتَغْيِيرِ الْكِتَابِ الَّذِي جَاءَ بِهِ،وَ إِسْقَاطِ مَا فِيهِ مِنْ فَضْلِ ذَوِي الْفَضْلِ،وَ كُفْرِ ذَوِي الْكُفْرِ مِنْهُ،وَ مِمَّنْ وَافَقَهُ عَلَى ظُلْمِهِ وَ بَغْيِهِ وَ شِرْكِهِ،وَ لَقَدْ عَلِمَ اللَّهُ ذَلِكَ مِنْهُمْ،فَقَالَ: إِنَّ الَّذِينَ يُلْحِدُونَ فِي آيٰاتِنٰا لاٰ يَخْفَوْنَ عَلَيْنٰا [١]،وَ قَالَ: يُرِيدُونَ أَنْ يُبَدِّلُوا كَلاٰمَ اللّٰهِ [٢]وَ لَقَدْ أَحْضَرُوا الْكِتَابَ كَمَلاً مُشْتَمِلاً عَلَى التَّأْوِيلِ وَ التَّنْزِيلِ،وَ الْمُحْكَمِ وَ الْمُتَشَابِهِ،وَ النَّاسِخِ وَ الْمَنْسُوخِ،لَمْ يَسْقُطْ مِنْهُ حَرْفٌ أَلِفٌ وَ لاَ لاَمٌ.
فَلَمَّا وَقَفُوا عَلَى مَا بَيَّنَهُ اللَّهُ مِنْ أَسْمَاءِ أَهْلِ الْحَقِّ وَ الْبَاطِلِ،وَ أَنَّ ذَلِكَ إِنْ ظَهَرَ نَقَضَ مَا عَقَدُوهُ،قَالُوا:لاَ حَاجَةَ لَنَا فِيهِ،نَحْنُ مُسْتَغْنُونَ عَنْهُ بِمَا عِنْدَنَا،وَ كَذَلِكَ قَالَ: فَنَبَذُوهُ وَرٰاءَ ظُهُورِهِمْ وَ اشْتَرَوْا بِهِ ثَمَناً قَلِيلاً فَبِئْسَ مٰا يَشْتَرُونَ [٣].
ثُمَّ دَفَعَهُمْ الاِضْطِرَارُ بِوُرُودِ الْمَسَائِلِ عَلَيْهِمْ عَمَّا لاَ يَعْلَمُونَ تَأْوِيلَهُ إِلَى جَمْعِهِ وَ تَأْلِيفِهِ وَ تَضْمِينِهِ مِنْ تِلْقَائِهِمْ مَا يُقِيمُونَ بِهِ دَعَائِمَ كُفْرِهِمْ،فَصَرَخَ [٤]مُنَادِيهِمْ:مَنْ كَانَ عِنْدَهُ شَيْءٌ مِنَ الْقُرْآنِ فَلْيَأْتِنَا بِهِ،وَ وَكَّلُوا تَأْلِيفَهُ وَ نَظْمَهُ إِلَى بَعْضِ مَنْ وَافَقَهُمْ عَلَى مُعَادَاةِ أَوْلِيَاءِ اللَّهِ،فَأَلَّفَهُ عَلَى اخْتِيَارِهِمْ،وَ مَا [٥]يَدُلُّ لِلْمُتَأَمِّلِ لَهُ عَلَى اخْتِلاَلِ تَمْيِيزِهِمْ وَ افْتِرَائِهِمْ،وَ تَرَكُوا مِنْهُ مَا قَدَرُوا أَنَّهُ لَهُمْ وَ هُوَ عَلَيْهِمْ،وَ زَادُوا فِيهِ مَا ظَهَرَ تَنَاكُرُهُ وَ تَنَافُرُهُ،وَ عَلِمَ اللَّهُ أَنَّ ذَلِكَ يَظْهَرُ وَ يَبِينُ، فَقَالَ: ذٰلِكَ مَبْلَغُهُمْ مِنَ الْعِلْمِ [٦]،وَ انْكَشَفَ لِأَهْلِ الاِسْتِبْصَارِ عَوَارُهُمْ [٧]وَ افْتِرَاؤُهُمْ،وَ الَّذِي بَدَأَ فِي الْكِتَابِ
[١] فصّلت ٤١:٤٠.
[٢] الفتح ٤٨:١٥.
[٣] آل عمران ٣:١٨٧.
[٤] في«ج،ي»:فصدح.
[٥] في«ج»:لا،و في«ي»:أولا.
[٦] النجم ٥٣:٣٠.
[٧] في«ج»:غرارهم،و في«ي»:اغراؤهم.