البرهان في تفسير القرآن - البحراني، السيد هاشم - الصفحة ٨٣٠ - ١- باب في ردّ متشابه القرآن إلى تأويله
يَعْمَلُونَ،فَاصْطَفَى جَلَّ ذِكْرُهُ مِنَ الْمَلاَئِكَةِ رُسُلاً وَ سَفَرَةً بَيْنَهُ وَ بَيْنَ خَلْقِهِ،وَ هُمُ الَّذِينَ قَالَ اللَّهُ فِيهِمْ: اَللّٰهُ يَصْطَفِي مِنَ الْمَلاٰئِكَةِ رُسُلاً وَ مِنَ النّٰاسِ [١]،فَمَنْ كَانَ مِنْ أَهْلِ الطَّاعَةِ،تَوَلَّتْ قَبْضَ رُوحِهِ مَلاَئِكَةُ الرَّحْمَةِ،وَ مَنْ كَانَ مِنْ أَهْلِ الْمَعْصِيَةِ تَوَلَّتْ قَبْضَ رُوحِهِ مَلاَئِكَةُ النَّقِمَةِ،وَ لِمَلَكِ الْمَوْتِ أَعْوَانٌ مِنْ مَلاَئِكَةِ الرَّحْمَةِ وَ النَّقِمَةِ،يَصْدُرُونَ عَنْ أَمْرِهِ،وَ فِعْلُهُمْ فِعْلُهُ،وَ كُلُّ مَا يَأْتُونَ بِهِ مَنْسُوبٌ إِلَيْهِ،وَ إِذَا كَانَ فِعْلُهُمْ فِعْلَ مَلَكِ الْمَوْتِ،فَفِعْلُ مَلَكِ الْمَوْتِ فِعْلُ اللَّهِ، لِأَنَّهُ يَتَوَفَّى الْأَنْفُسَ عَلَى يَدِ مَنْ يَشَاءُ،وَ يُعْطِي وَ يَمْنَعُ،وَ يُثِيبُ وَ يُعَاقِبُ عَلَى يَدِ مَنْ يَشَاءُ،وَ إِنَّ فِعْلَ أُمَنَائِهِ فِعْلُهُ كَمَا قَالَ: وَ مٰا تَشٰاؤُنَ إِلاّٰ أَنْ يَشٰاءَ اللّٰهُ [٢].
وَ أَمَّا قَوْلُهُ: فَمَنْ يَعْمَلْ مِنَ الصّٰالِحٰاتِ وَ هُوَ مُؤْمِنٌ فَلاٰ كُفْرٰانَ لِسَعْيِهِ [٣]،وَ قَوْلُهُ تَعَالَى: وَ إِنِّي لَغَفّٰارٌ لِمَنْ تٰابَ وَ آمَنَ وَ عَمِلَ صٰالِحاً ثُمَّ اهْتَدىٰ [٤]،فَإِنَّ ذَلِكَ كُلَّهُ لاَ يُغْنِي إِلاَّ مَعَ الاِهْتِدَاءِ،وَ لَيْسَ كُلُّ مَنْ وَقَعَ عَلَيْهِ اسْمُ الْإِيمَانِ كَانَ حَقِيقاً بِالنَّجَاةِ مِمَّا هَلَكَ بِهِ الْغُوَاةُ،وَ لَوْ كَانَ ذَلِكَ كَذَلِكَ لَنَجَتِ الْيَهُودُ مَعَ اعْتِرَافِهَا بِالتَّوْحِيدِ وَ إِقْرَارِهَا بِاللَّهِ،وَ نَجَا سَائِرُ الْمُقِرِّينَ بِالْوَحْدَانِيَّةِ،مِنْ إِبْلِيسَ فَمَنْ دُونَهُ فِي الْكُفْرِ،وَ قَدْ بَيَّنَ اللَّهُ ذَلِكَ بِقَوْلِهِ: اَلَّذِينَ آمَنُوا وَ لَمْ يَلْبِسُوا إِيمٰانَهُمْ بِظُلْمٍ أُولٰئِكَ لَهُمُ الْأَمْنُ وَ هُمْ مُهْتَدُونَ [٥]،وَ بِقَوْلِهِ: اَلَّذِينَ قٰالُوا آمَنّٰا بِأَفْوٰاهِهِمْ وَ لَمْ تُؤْمِنْ قُلُوبُهُمْ [٦].
وَ لِلْإِيمَانِ حَالاَتٌ وَ مَنَازِلُ يَطُولُ شَرْحُهَا،وَ مِنْ ذَلِكَ أَنَّ الْإِيمَانَ قَدْ يَكُونُ عَلَى وَجْهَيْنِ:إِيمَانٍ بِالْقَلْبِ،وَ إِيمَانٍ بِاللِّسَانِ،كَمَا كَانَ إِيمَانُ الْمُنَافِقِينَ عَلَى عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ(صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَ آلِهِ)لَمَّا قَهَرَهُمُ بِالسَّيْفِ وَ شَمِلَهُمُ الْخَوْفُ،فَإِنَّهُمْ آمَنُوا بِأَلْسِنَتِهِمْ وَ لَمْ تُؤْمِنْ قُلُوبُهُمْ،فَالْإِيمَانُ بِالْقَلْبِ هُوَ التَّسْلِيمُ لِلرَّبِّ،وَ مَنْ سَلَّمَ الْأُمُورَ لِمَالِكِهَا لَمْ يَسْتَكْبِرْ عَنْ أَمْرِهِ، كَمَا اسْتَكْبَرَ إِبْلِيسُ عَنِ السُّجُودِ لِآدَمَ،وَ اسْتَكْبَرَ أَكْثَرُ الْأُمَمِ عَنْ طَاعَةِ أَنْبِيَائِهِمْ،فَلَمْ يَنْفَعْهُمُ التَّوْحِيدُ كَمَا لَمْ يَنْفَعْ إِبْلِيسَ ذَلِكَ السُّجُودُ الطَّوِيلُ،فَإِنَّهُ سَجَدَ سَجْدَةً وَاحِدَةً أَرْبَعَةَ آلاَفِ عَامٍ،لَمْ يُرِدْ بِهَا غَيْرَ زُخْرُفِ الدُّنْيَا وَ التَّمْكِينِ مِنَ النَّظِرَةِ،فَلِذَلِكَ لاَ تَنْفَعُ الصَّلاَةُ وَ الصَّدَقَةُ إِلاَّ مَعَ الاِهْتِدَاءِ إِلَى سَبِيلِ النَّجَاةِ وَ طَرِيقِ الْحَقِّ،وَ قَدْ قَطَعَ اللَّهُ عُذْرَ عِبَادِهِ بِتَبْيِينِ آيَاتِهِ وَ إِرْسَالِ رُسُلِهِ،لِئَلاَّ يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَى اللَّهِ حُجَّةٌ بَعْدَ الرُّسُلِ،وَ لَمْ يُخْلِ أَرْضَهُ مِنْ عَالِمٍ بِمَا يَحْتَاجُ الْخَلِيقَةُ إِلَيْهِ،وَ مُتَعَلِّمٌ عَلَى سَبِيلِ نَجَاةٍ،أُولَئِكَ هُمُ الْأَقَلُّونَ عَدَداً.
وَ قَدْ بَيَّنَ اللَّهُ ذَلِكَ فِي أُمَمِ الْأَنْبِيَاءِ،وَ جَعَلَهُمْ مَثَلاً لِمَنْ تَأَخَّرَ،مِثْلَ قَوْلِهِ فِي قَوْمِ نُوحٍ:
[١] الحجّ ٢٢:٧٥.
[٢] الإنسان ٧٦:٣٠.
[٣] الأنبياء ٢١:٩٤.
[٤] طه ٢٠:٨٢.
[٥] الأنعام ٦:٨٢.
[٦] المائدة ٥:٤١.