البرهان في تفسير القرآن - البحراني، السيد هاشم - الصفحة ٩ - الدخان آيه ٩-١
فَقُلْتُ: لاَ،بَلْ أَنَا أَقْدِرُ عَلَى الْمَسِيرِ فِي الْبَدَنِ وَ الْمَالِ،قَالَ: فَانْطَلِقْ مِنْ فَوْرِكَ حَتَّى تَأْتِيَ يَثْرِبَ،فَقُلْتُ:
لاَ أَعْرِفُ يَثْرِبَ.قَالَ: فَانْطَلِقْ حَتَّى تَأْتِيَ مَدِينَةَ النَّبِيِّ(صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَ آلِهِ)،الَّذِي بُعِثَ فِي الْعَرَبِ،وَ هُوَ النَّبِيُّ الْعَرَبِيُّ الْهَاشِمِيُّ،فَإِذَا دَخَلْتَهَا فَسَلْ عَنْ بَنِي غَنْمِ بْنِ مَالِكِ بْنِ النَّجَّارِ،وَ هُوَ عِنْدَ بَابِ مَسْجِدِهَا،وَ أَظْهِرْ بِزَّةَ النَّصْرَانِيَّةِ وَ حِلْيَتَهَا،فَإِنَّ وَالِيَهَا يَتَشَدَّدُ عَلَيْهِمْ،وَ الْخَلِيفَةُ أَشَدُّ،ثُمَّ تَسْأَلُ عَنْ بَنِي عَمْرِو بْنِ مَبْذُولٍ،وَ هُوَ بِبَقِيعِ الزُّبَيْرِ،ثُمَّ تَسْأَلُ عَنْ مُوسَى بْنِ جَعْفَرٍ،وَ أَيْنَ مَنْزِلُهُ،وَ أَنَّهُ مُسَافِرٌ أَوْ حَاضِرٌ،فَإِنْ كَانَ مُسَافِراً فَالْحَقْهُ،فَإِنَّ سَفَرَهُ أَقْرَبُ مِمَّا ضُرِبَتْ إِلَيْهِ، ثُمَّ أَعْلِمْهُ أَنَّ مَطْرَانَ عَلْيَاءِ الْغُوطَةِ-غُوطَةِ دِمَشْقَ-هُوَ الَّذِي أَرْشَدَنِي إِلَيْكَ،وَ هُوَ يُقْرِئُكَ السَّلاَمَ كَثِيراً،وَ يَقُولُ لَكَ:
إِنِّي لَأُكْثِرُ مُنَاجَاةَ رَبِّي أَنْ يَجْعَلَ إِسْلاَمِى عَلَى يَدَيْكَ.
فَقَصَّ هَذِهِ الْقِصَّةَ وَ هُوَ قَائِمٌ مُعْتَمِدٌ عَلَى عَصَاهُ،ثُمَّ قَالَ لِي:إِنْ أَذِنْتَ لِي يَا سَيِّدِي كَفَّرْتُ لَكَ [١]،وَ جَلَسْتُ، فَقَالَ:«آذَنُ لَكَ أَنْ تَجْلِسَ،وَ لاَ آذَنُ لَكَ أَنْ تُكَفِّرَ».فَجَلَسَ ثُمَّ أَلْقَى عَنْهُ بُرْنُسَهُ،ثُمَّ قَالَ: جُعِلْتُ فِدَاكَ،تَأْذَنُ لِي فِي الْكَلاَمِ؟ قَالَ:«نَعَمْ،مَا جِئْتَ إِلاَّ لَهُ».
فَقَالَ لَهُ النَّصْرَانِيُّ: أُرْدُدْ عَلَى صَاحِبِيَ السَّلاَمَ،أَ وَ مَا تَرُدُّ السَّلاَمَ؟ فَقَالَ أَبُو الْحَسَنِ(عَلَيْهِ السَّلاَمُ):«عَلَى صَاحِبِكَ أَنْ هَدَاهُ اللَّهُ،أَمَّا التَّسْلِيمُ فَذَاكَ إِذَا صَارَ فِي دِينِنَا».
فَقَالَ النَّصْرَانِيُّ:إِنِّي أَسْأَلُكَ أَصْلَحَكَ اللَّهُ؟ قَالَ:«سَلْ»،قَالَ:أَخْبِرْنِي عَنِ الْكِتَابِ الَّذِي أُنْزِلَ عَلَى مُحَمَّدٍ، وَ نَطَقَ بِهِ ثُمَّ وَصَفَهُ بِمَا وَصَفَهُ،فَقَالَ: حَم* وَ الْكِتٰابِ الْمُبِينِ* إِنّٰا أَنْزَلْنٰاهُ فِي لَيْلَةٍ مُبٰارَكَةٍ إِنّٰا كُنّٰا مُنْذِرِينَ* فِيهٰا يُفْرَقُ كُلُّ أَمْرٍ حَكِيمٍ مَا تَفْسِيرُهَا فِي الْبَاطِنِ؟ فَقَالَ:«أَمَّا حَم فَهُوَ مُحَمَّدٌ(صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَ آلِهِ)،وَ هُوَ فِي كِتَابِ هُودٍ الَّذِي أُنْزِلَ عَلَيْهِ،وَ هُوَ مَنْقُوصُ الْحُرُوفِ،وَ أَمَّا الْكِتَابُ الْمُبِينُ فَهُوَ أَمِيرُ الْمُؤْمِنِينَ عَلِيٌّ(عَلَيْهِ السَّلاَمُ)،وَ أَمَّا اللَّيْلَةُ فَفَاطِمَةُ(عَلَيْهَا السَّلاَمُ)،وَ أَمَّا قَوْلُهُ تَعَالَى: فِيهٰا يُفْرَقُ كُلُّ أَمْرٍ حَكِيمٍ يَقُولُ:يَخْرُجُ مِنْهَا خَيْرٌ كَثِيرٌ،فَرَجُلٌ حَكِيمٌ، وَ رَجُلٌ حَكِيمٌ،وَ رَجُلٌ حَكِيمٌ».
فَقَالَ الرَّجُلُ: صِفْ لِيَ الْأَوَّلَ وَ الْآخِرَ مِنْ هَؤُلاَءِ الرِّجَالِ؟فَقَالَ:«الصِّفَاتُ تَشْتَبِهُ،وَ لَكِنْ الثَّالِثَ مِنَ الْقَوْمِ أَصِفُ لَكَ مَا يَخْرُجُ مِنْ نَسْلِهِ،وَ إِنَّهُ عِنْدَكُمْ لَفِي الْكُتُبِ الَّتِي نَزَلَتْ عَلَيْكُمْ،إِنْ لَمْ تُغَيِّرُوا وَ تُحَرِّفُوا وَ تَكْفُرُوا وَ قَدِيماً مَا فَعَلْتُمْ».
فَقَالَ لَهُ النَّصْرَانِيُّ: إِنِّي لاَ أَسْتُرُ عَنْكَ مَا عَلِمْتُ،وَ لاَ أَكْذِبُكَ،وَ أَنْتَ تَعْلَمُ مَا أَقُولُ فِي صِدْقِ مَا أَقُولُ وَ كِذْبِهِ،وَ اللَّهُ لَقَدْ أَعْطَاكَ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ،وَ قَسَمَ عَلَيْكَ مِنْ نِعَمِهِ مَا لاَ يَخْطُرُهُ الْخَاطِرُونَ،وَ لاَ يَسْتُرُهُ السَّاتِرُونَ،وَ لاَ يَكْذِبُ فِيهِ مَنْ كَذَبَ،فَقَوْلِي لَكَ فِي ذَلِكَ الْحُقُّ،كُلُّ مَا ذَكَرْتَ فَهُوَ كَمَا ذَكَرْتَ.
فَقَالَ لَهُ أَبُو إِبْرَاهِيمَ(عَلَيْهِ السَّلاَمُ):«أُعَجِّلُكَ أَيْضاً خَبَراً لاَ يَعْرِفُهُ إِلاَّ قَلِيلٌ مِمَّنْ قَرَأَ الْكُتُبَ،أَخْبِرْنِي مَا اسْمُ أُمِّ مَرْيَمَ؟ وَ أَيُّ يَوْمٍ نُفِخَتْ فِيهِ مَرْيَمُ؟ وَ لِكَمْ مِنْ سَاعَةٍ مِنَ النَّهَارِ؟ وَ أَيَّ يَوْمٍ وَضَعَتْ فِيهِ مَرْيَمُ عِيسَى(عَلَيْهِ السَّلاَمُ)،وَ لِكَمْ مِنْ سَاعَةٍ مِنَ النَّهَارِ؟».فَقَالَ النَّصْرَانِيُّ:لاَ أَدْرِي.
فَقَالَ أَبُو إِبْرَاهِيمَ(عَلَيْهِ السَّلاَمُ):«أَمَّا أُمُّ مَرْيَمَ فَاسْمُهَا مَرْثَا،وَ هِيَ وَهِيبَةُ بِالْعَرَبِيَّةِ،وَ أَمَّا الْيَوْمُ الَّذِي حَمَلَتْ فِيهِ مَرْيَمُ
[١] التكفير:وضع اليد على الصدر.