البرهان في تفسير القرآن - البحراني، السيد هاشم - الصفحة ٤٣٨ - الملك آيه ٢-١
وَ أَجْرَاهُمَا عَلَى مَحَبَّتِهِمْ،إِذْ عَجَزَ عَنْ تَعَبُّدِهِمْ بِالْأَمْرِ وَ النَّهْيِ عَنْ [١]إِرَادَتِهِ،فَجَعَلَ الاِخْتِيَارَ إِلَيْهِمْ فِي الْكُفْرِ وَ الْإِيمَانِ،وَ مَثَلُ ذَلِكَ مَثَلُ رَجُلٍ مَلَكَ عَبْداً ابْتَاعَهُ لِيَخْدُمَهُ،وَ يَعْرِفَ لَهُ فَضْلَ وَلاَيَتِهِ،وَ يَقِفَ عِنْدَ أَمْرِهِ وَ نَهْيِهِ،وَ ادَّعَى مَالِكُ الْعَبْدِ أَنَّهُ قَادِرٌ قَاهِرٌ عَزِيزٌ حَكِيمٌ،فَأَمَرَ عَبْدَهُ وَ نَهَاهُ،وَ وَعَدَهُ عَلَى اتِّبَاعِ أَمْرِهِ عَظِيمَ الثَّوَابِ،وَ أَوْعَدَهُ عَلَى مَعْصِيَتِهِ أَلِيمَ الْعِقَابِ،فَخَالَفَ الْعَبْدُ إِرَادَةَ مَالِكِهِ،وَ لَمْ يَقِفْ عِنْدَ أَمْرِهِ وَ نَهْيِهِ،فَأَيُّ أَمْرٍ أَمَرَهُ بِهِ أَوْ نَهْيٍ نَهَاهُ عَنْهُ لَمْ يَأْتَمِرْ عَلَى إِرَادَةِ الْمَوْلَى،بَلْ كَانَ الْعَبْدُ يَتْبَعُ إِرَادَةَ نَفْسِهِ،وَ بَعَثَهُ فِي بَعْضِ حَوَائِجِهِ،وَ فِيمَا الْحَاجَةُ لَهُ وَ صَدَرَ الْعَبْدُ بِغَيْرِ تِلْكَ الْحَاجَةِ خِلاَفاً عَلَى مَوْلاَهُ،وَ قَصَدَ إِرَادَةَ نَفْسِهِ،وَ اتَّبَعَ هَوَاهُ،فَلَمَّا رَجَعَ إِلَى مَوْلاَهُ نَظَرَ إِلَى مَا أَتَاهُ،فَإِذَا هُوَ خِلاَفُ مَا أَمَرَهُ،فَقَالَ الْعَبْدُ:اِتَّكَلْتُ عَلَى تَفْوِيضِكَ الْأَمْرَ إِلَيَّ،فَاتَّبَعْتُ هَوَايَ وَ إِرَادَتِي،لِأَنَّ الْمُفَوَّضَ إِلَيْهِ غَيْرُ مَحْظُورٍ عَلَيْهِ، لاِسْتِحَالَةِ اجْتِمَاعٍ التَّفْوِيضِ وَ التَّحْظِيرِ».
ثُمَّ قَالَ(عَلَيْهِ السَّلاَمُ):«فَمَنْ زَعَمَ أَنَّ اللَّهَ فَوَّضَ قَبُولَ أَمْرِهِ وَ نَهْيِهِ إِلَى عِبَادِهِ،فَقَدْ أَثْبَتَ عَلَيْهِ الْعَجْزَ،وَ أَوْجَبَ عَلَيْهِ قَبُولَ كُلِّ مَا عَمِلُوا مِنْ خَيْرٍ أَوْ شَرٍّ،وَ أَبْطَلَ أَمْرَ اللَّهِ تَعَالَى وَ نَهْيَهُ».
ثُمَّ قَالَ:«إِنَّ اللَّهَ خَلَقَ الْخَلْقَ بِقُدْرَتِهِ،وَ مَلَّكَهُمْ اسْتَطَاعَةَ مَا تَعَبَّدَهُمْ بِهِ مِنَ الْأَمْرِ وَ النَّهْيِ،وَ قَبِلَ مِنْهُمْ اتِّبَاعَ أَمْرِهِ [وَ نَهْيِهِ]،وَ رَضِيَ بِذَلِكَ لَهُمْ،وَ نَهَاهُمْ عَنْ مَعْصِيَتِهِ،وَ ذَمَّ مَنْ عَصَاهُ وَ عَاقَبَهُ عَلَيْهَا،وَ لِلَّهِ الْخِيَرَةُ فِي الْأَمْرِ وَ النَّهْيِ،يَخْتَارُ مَا يُرِيدُ،وَ يَأْمُرُ بِهِ،وَ يَنْهَى عَمَّا يَكْرَهُ،وَ يُثِيبُ وَ يُعَاقِبُ بِالاِسْتِطَاعَةِ الَّتِي مَلَّكَهَا عِبَادَهُ لاِتِّبَاعِ أَمْرِهِ وَ اجْتِنَابِ مَعَاصِيهِ، لِأَنَّهُ الْعَدْلُ،وَ مِنْهُ النَّصَفَةُ وَ الْحُكُومَةُ بَالَغَ الْحُجَّةَ بِالْإِعْذَارِ وَ الْإِنْذَارِ،وَ إِلَيْهِ الصَّفْوَةُ يَصْطَفِي مَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ، اصْطَفَى مُحَمَّداً(صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَ آلِهِ)وَ بَعَثَهُ بِالرِّسَالَةِ إِلَى خَلْقِهِ،وَ لَوْ فَوَّضَ اخْتِيَارَ أُمُورِهِ إِلَى عِبَادِهِ لَأَجَازَ لِقُرَيْشٍ اخْتِيَارَ أُمَيَّةَ بْنِ أَبِي الصَّلْتِ وَ مَسْعُودٍ الثَّقَفِيِّ،إِذْ كَانَا عِنْدَهُمْ أَفْضَلَ مِنْ مُحَمَّدٍ(صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَ آلِهِ)لَمَّا قَالُوا: لَوْ لاٰ نُزِّلَ هٰذَا الْقُرْآنُ عَلىٰ رَجُلٍ مِنَ الْقَرْيَتَيْنِ عَظِيمٍ [٢]يَعْنُونَهُمَا بِذَلِكَ،فَهَذَا[هُوَ]الْقَوْلُ بَيْنَ الْقَوْلَيْنِ لَيْسَ بِجَبْرٍ وَ لاَ تَفْوِيضٍ،بِذَلِكَ أُخْبِرَ أَمِيرُ الْمُؤْمِنِينَ(عَلَيْهِ السَّلاَمُ)حِينَ سَأَلَهُ عَبَايَةُ بْنُ رِبْعِيٍّ الْأَسَدِيُّ عَنِ الاِسْتِطَاعَةِ،فَقَالَ أَمِيرُ الْمُؤْمِنِينَ(عَلَيْهِ السَّلاَمُ):
تَمَلِكُهَا مِنْ دُونِ اللَّهِ،أَوْ مَعَ اللَّهِ؟فَسَكَتَ عَبَايَةُ بْنُ رِبْعِيٍّ،فَقَالَ لَهُ:قُلْ يَا عَبَايَةُ.قَالَ:وَ مَا أَقُولُ؟قَالَ:إِنْ قُلْتَ تَمْلِكُهَا مَعَ اللَّهِ قَتَلْتُكَ،وَ إِنْ قُلْتَ تَمْلِكُهَا مِنْ دُونِ اللَّهِ قَتَلْتُكَ.قَالَ:وَ مَا أَقُولُ،يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ؟قَالَ:تَقُولُ تَمْلِكُهَا بِاللَّهِ الَّذِي يَمْلِكُهَا مِنْ دُونِكَ [٣]،فَإِنْ مَلَّكَكَهَا كَانَ ذَلِكَ مِنْ عَطَائِهِ،وَ إِنْ سَلَبَكَهَا كَانَ ذَلِكَ مِنْ بَلاَئِهِ،وَ هُوَ الْمَالِكُ لِمَا مَلَّكَكَ، وَ الْمَالِكُ لِمَا عَلَيْهِ أَقْدَرَكَ،أَ مَا سَمِعْتَ النَّاسَ يَسْأَلُونَ الْحَوْلَ وَ الْقُوَّةَ حَيْثُ يَقُولُونَ:لاَ حَوْلَ وَ لاَ قُوَّةَ إِلاَّ بِاللَّهِ؟فَقَالَ:
الرَّجُلُ:مَا تَأْوِيلُهَا،يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ؟قَالَ:لاَ حَوْلَ بِنَا عَنْ [٤]مَعَاصِي اللَّهِ إِلاَّ بِعِصْمَةِ اللَّهِ،وَ لاَ قُوَّةَ لَنَا عَلَى طَاعَةِ اللَّهِ إِلاَّ بِعَوْنِ اللَّهِ.ثُمَّ قَالَ:فَوَثَبَ الرَّجُلُ وَ قَبَّلَ يَدَيْهِ وَ رِجْلَيْهِ.
ثُمَّ قَالَ(عَلَيْهِ السَّلاَمُ)فِي قَوْلِهِ تَعَالَى:
[١] في«ج»:على.
[٢] الزخرف ٤٣:٣١.
[٣] في«ط،ي»:الذي لا تملكها من دونه.
[٤] في المصدر:لا حول لنا من.