البرهان في تفسير القرآن - البحراني، السيد هاشم - الصفحة ١٦٩ - الذاريات آيه ٤٩
مَنْ شَبَّهَهُ،وَ لاَ لَهُ عَرَفَ مَنْ بَعَّضَهُ،وَ لاَ إِيَّاهُ أَرَادَ مَنْ تَوَهَّمَهُ،كُلُّ مَعْرُوفٍ بِنَفْسِهِ مَصْنُوعٌ،وَ كُلُّ قَائِمٍ فِي [١]سِوَاهُ مَعْلُولٌ، بِصُنْعِ اللَّهِ يُسْتَدَلُّ عَلَيْهِ،وَ بِالْعُقُولِ تُعْتَقَدُ مَعْرِفَتُهُ،وَ بِالْفِطْرَةِ تَثْبُتُ حُجَّتُهُ [٢].
خَلَقَ اللَّهُ تَعَالَى الْخَلْقَ حِجَاباً بَيْنَهُ وَ بَيْنَهُمْ،وَ مُبَايَنَتُهُ إِيَّاهُمْ مُفَارَقَتُهُ إِنِّيَّتَهُمْ،وَ ابْتِدَاؤُهُ لَهُمْ دَلِيلٌ [٣]عَلَى أَنْ لاَ ابْتِدَاءَ لَهُ،لِعَجْزِ كُلِّ مُبْتَدَأٍ مِنْهُمْ عَنِ ابْتِدَاءِ مِثْلِهِ،فَأَسْمَاؤُهُ تَعَالَى تَعْبِيرٌ،وَ أَفْعَالُهُ سُبْحَانَهُ تَفْهِيمٌ،قَدْ جَهِلَ اللَّهَ مَنْ حَدَّهُ، وَ قَدْ تَعَدَّاهُ مَنِ اشْتَمَلَهُ،وَ قَدْ أَخْطَأَهُ مَنِ اكْتَنَهَهُ،وَ مَنْ قَالَ:كَيْفَ هُوَ،فَقَدْ شَبَّهَهُ،وَ مَنْ قَالَ فِيهِ:لِمَ فَقَدْ عَلَّلَهُ،وَ مَنْ قَالَ:
مَتَى،فَقَدْ وَقَّتَهُ،وَ مَنْ قَالَ:فِيمَ،فَقَدْ ضَمَّنَهُ،وَ مَنْ قَالَ:إِلاَمَ،فَقَدْ نَهَّاهُ،وَ مَنْ قَالَ:حَتَّامَ؛فَقَدْ غَيَّاهُ،وَ مَنْ غَيَّاهُ فَقَدْ جَزَّأَهُ، وَ مَنْ جَزَّأَهُ فَقَدْ أَلْحَدَ فِيهِ،لاَ يَتَغَيَّرُ اللَّهُ تَعَالَى بِتَغَايُرِ الْمَخْلُوقِ،وَ لاَ يَتَحَدَّدُ بِتَحْدِيدِ الْمَحْدُودِ،وَاحِدٌ لاَ بِتَأْوِيلِ عَدَدٍ، ظَاهِرٌ لاَ بِتَأْوِيلِ الْمُبَاشَرَةِ،مُتَجَلٍّ لاَ بِاسْتِهْلاَلِ رُؤْيَةٍ،بَاطِنٌ لاَ بِمُزَايَلَةٍ،مُبَايِنٌ لاَ بِمَسَافَةٍ،قَرِيبٌ لاَ بِمُدَانَاةٍ،لَطِيفٌ لاَ بِتَجْسِيمٍ،مَوْجُودٌ لاَ عَنْ عَدَمٍ،فَاعِلٌ لاَ بِاضْطِرَابٍ،مُقَدِّرٌ لاَ بِفِكْرَةٍ،مُدَبِّرٌ لاَ بِحَرَكَةٍ،مُرِيدٌ لاَ بِعَزِيمَةٍ،شَاءٍ لاَ بِهِمَّةٍ، مُدْرِكٌ لاَ بِحَاسَّةٍ،سَمِيعٌ لاَ بِآلَةٍ،بَصِيرٌ لاَ بِأَدَاةٍ،لاَ تَصْحَبُهُ الْأَوْقَاتُ،وَ لاَ تَضَمَّنُهُ الْأَمَاكِنُ،وَ لاَ تَأْخُذُهُ السِّنَاتُ،لاَ تَحُدُّهُ الصِّفَاتُ،وَ لاَ تُقَيِّدُهُ الْأَدَوَاتُ،سَبَقَ الْأَوْقَاتَ كَوْنُهُ،وَ الْعَدَمَ وُجُودُهُ،وَ الاِبْتِدَاءَ أَزَلُهُ.
بِخَلْقِهِ الْأَشْيَاءَ [٤]عُلِمَ أَنْ لاَ شِبْهَ لَهُ،وَ بِمُضَادَّتِهِ بَيْنَ الْأَشْيَاءِ عُلِمَ أَنْ لاَ ضِدَّ لَهُ،وَ بِمُقَارَنَتِهِ بَيْنَ الْأُمُورِ عُرِفَ أَنْ لاَ قَرِينَ لَهُ،ضَادَّ النُّورَ بِالظُّلْمَةِ،وَ الشَّرَّ بِالْخَيْرِ [٥]،مُؤَلِّفٌ بَيْنَ مُتَعَادِيَاتِهَا [٦]،مُفَرِّقٌ بَيْنَ مُتَدَانِيَاتِهَا،بِتَفْرِيقِهَا دَلَّ عَلَى مُفَرِّقِهَا،وَ بِتَأْلِيفِهَا عَلَى مُؤَلِّفِهَا،قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: وَ مِنْ كُلِّ شَيْءٍ خَلَقْنٰا زَوْجَيْنِ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ .
لَهُ مَعْنَى الرُّبُوبِيَّةِ إِذْ لاَ مَرْبُوبَ،وَ حَقِيقَتُهُ [حَقِيقَةُ] الْإِلَهِيَّةُ إِذْ لاَ مَأْلُوهَ،وَ مَعْنَى الْعَالِمِ وَ لاَ مَعْلُومَ،لَيْسَ مُنْذُ خَلَقَ اسْتَحَقَّ مَعْنَى الْخَالِقِ،وَ لاَ مِنْ حَيْثُ أَحْدَثَ اسْتَفَادَ مَعْنَى الْمُحْدِثِ،لاَ تَغَيِّيهِ مُنْذُ،وَ لاَ تُدْنِيهِ قَدْ،وَ لاَ يَحْجُبُهُ لَعَلَّ،وَ لاَ يُوَقِّتُهُ مَتَى،وَ لاَ يَشْتَمِلُهُ حِينٌ،وَ لاَ يُقَارِنُهُ مَعَ،كُلُّ مَا فِي الْخَلْقِ مِنْ أَثَرٍ غَيْرُ مَوْجُودٍ فِي خَالِقِهِ،وَ كُلُّ مَا أَمْكَنَ فِيهِ،مُمْتَنِعٌ مِنْ صَانِعِهِ،لاَ تَجْرِي عَلَيْهِ الْحَرَكَةُ وَ السُّكُونُ،كَيْفَ يَجْرِي عَلَيْهِ مَا هُوَ أَجْرَاهُ؟أَوْ يَعُودُ فِيهِ مَا هُوَ ابْتَدَأَهُ؟إِذَنْ لَتَفَاوَتَتْ دَلاَلَتُهُ،وَ لاَمْتَنَعَ مِنَ الْأَزَلِ مَعْنَاهُ،وَ لَمَا كَانَ لِلْبَارِئِ مَعْنًى غَيْرُ الْمُبْرِئِ،لَوْ حُدَّ لَهُ وَرَاءُ لَحُدَّ لَهُ أَمَامٌ،وَ لَوِ الْتُمِسَ لَهُ التَّمَامُ لَلَزِمَهُ النُّقْصَانُ،كَيْفَ يَسْتَحِقُّ الْأَزَلَ مَنْ لاَ يَمْتَنِعُ عَنِ الْحَدَثِ؟وَ كَيْفَ يُنْشِئُ الْأَشْيَاءَ مَنْ لاَ يَمْتَنِعُ مِنَ الْإِنْشَاءِ [٧]؟لَوْ تَعَلَّقَتْ بِهِ الْمَعَانِي لَقَامَتْ فِيهِ آيَةُ الْمَصْنُوعِ،وَ لَتَحَوَّلَ عَنْ كَوْنِهِ دَالاًّ إِلَى كَوْنِهِ مَدْلُولاً عَلَيْهِ،لَيْسَ فِي
[١] في«ط،ي»:من.
[٢] في المصدر:محبّته.
[٣] في المصدر:دليلهم.
[٤] في المصدر:الأشباه.
[٥] في المصدر:و الصّرّ بالحرّ.
[٦] في المصدر:متعاقباتها.
[٧] في«ج»:الأشياء.