البرهان في تفسير القرآن - البحراني، السيد هاشم - الصفحة ٨٣٩ - ١- باب في ردّ متشابه القرآن إلى تأويله
كَلاّٰ إِنّٰا خَلَقْنٰاهُمْ مِمّٰا يَعْلَمُونَ [١] ،وَ كَذَلِكَ قَوْلُ اللَّهِ عَزَّ وَ جَلَّ: يَوْمَ نَدْعُوا كُلَّ أُنٰاسٍ بِإِمٰامِهِمْ [٢]، وَ لَمْ يُسَمِّهِمْ بِأَسْمَائِهِمْ وَ أَسْمَاءِ آبَائِهِمْ وَ أُمَّهَاتِهِمْ.
وَ أَمَّا قَوْلُهُ: كُلُّ شَيْءٍ هٰالِكٌ إِلاّٰ وَجْهَهُ [٣]،فَالْمُرَادُ [٤]كُلُّ شَيْءٍ هَالِكٌ إِلاَّ دِينَهُ،لِأَنَّ مِنَ الْمَحَالِ أَنْ يَهْلِكَ مِنْهُ كُلُّ شَيْءٍ وَ يَبْقَى الْوَجْهُ،وَ هُوَ أَجَلُّ وَ أَكْرَمُ وَ أَعْظَمُ مِنْ ذَلِكَ،وَ إِنَّمَا يَهْلِكُ مَنْ لَيْسَ مِنْهُ،أَ لاَ تَرَى أَنَّهُ قَالَ:
كُلُّ مَنْ عَلَيْهٰا فٰانٍ* وَ يَبْقىٰ وَجْهُ رَبِّكَ [٥] ؟فَفَصَلَ بَيْنَ خَلْقِهِ وَ وَجْهِهِ.
وَ أَمَّا ظُهُورُكَ عَلَى تَنَاكُرِ [٦]قَوْلِهِ: وَ إِنْ خِفْتُمْ أَلاّٰ تُقْسِطُوا فِي الْيَتٰامىٰ فَانْكِحُوا مٰا طٰابَ لَكُمْ مِنَ النِّسٰاءِ [٧]،وَ لَيْسَ يُشْبِهُ الْقِسْطُ فِي الْيَتَامَى نِكَاحَ النِّسَاءِ،وَ لاَ كُلُّ النِّسَاءِ أَيْتَامٌ،فَهُوَ مِمَّا قَدَّمْتُ ذِكْرَهُ مِنْ إِسْقَاطِ الْمُنَافِقِينَ مِنَ الْقُرْآنِ،وَ بَيْنَ الْقَوْلِ فِي الْيَتَامَى وَ بَيْنَ نِكَاحِ النِّسَاءِ [٨]مِنَ الْخِطَابِ وَ الْقَصَصِ أَكْثَرُ مِنْ ثُلُثِ الْقُرْآنِ، وَ هَذَا وَ مَا أَشْبَهَهُ مِمَّا ظَهَرَتْ حَوَادِثُ الْمُنَافِقِينَ فِيهِ لِأَهْلِ النَّظَرِ وَ التَّأَمُّلِ،وَ وَجَدَ الْمُعَطِّلُونَ وَ أَهْلُ الْمِلَلِ الْمُخَالَفَةِ لِلْإِسْلاَمِ مَسَاغاً إِلَى الْقَدْحِ فِي الْقُرْآنِ،وَ لَوْ شَرَحْتُ لَكَ كُلَّ مَا أُسْقِطَ وَ حُرِّفَ وَ بُدِّلَ مِمَّا يَجْرِي هَذَا الْمَجْرَى لَطَالَ، فَظَهَرَ مَا تَحْظُرُ التَّقِيَّةُ إِظْهَارَهُ مِنْ مَنَاقِبِ الْأَوْلِيَاءِ وَ مَثَالِبِ الْأَعْدَاءِ.
وَ أَمَّا قَوْلُهُ: وَ مٰا ظَلَمُونٰا وَ لٰكِنْ كٰانُوا أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ [٩]،فَهُوَ تَبَارَكَ اسْمُهُ أَجَلُّ وَ أَعْظَمُ مِنْ أَنْ يَظْلِمَ، وَ لَكِنَّهُ قَرَنَ أُمَنَاءَهُ عَلَى خَلْقِهِ بِنَفْسِهِ،وَ عَرَّفَ الْخَلِيقَةَ جَلاَلَةَ قَدْرِهِمْ عِنْدَهُ،وَ أَنَّ ظُلْمَهُمْ ظُلْمُهُ،بِقَوْلِهِ:
وَ مٰا ظَلَمُونٰا بِبُغْضِهِمْ أَوْلِيَاءَنَا،وَ مَعُونَةِ أَعْدَائِهِمْ عَلَيْهِمْ، وَ لٰكِنْ كٰانُوا أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ إِذْ حَرَّمُوهَا الْجَنَّةَ، وَ أَوْجَبُوا عَلَيْهَا خُلُودَ النَّارِ.
وَ أَمَّا قَوْلُهُ: إِنَّمٰا أَعِظُكُمْ بِوٰاحِدَةٍ [١٠]،فَإِنَّ اللَّهَ جَلَّ ذِكْرُهُ أَنْزَلَ عَزَائِمَ الشَّرَائِعِ وَ آيَاتَ الْفَرَائِضِ فِي أَوْقَاتٍ مُخْتَلِفَةٍ،كَمَا خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَ الْأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ،وَ لَوْ شَاءَ أَنْ يَخْلُقَهَا فِي أَقَلَّ مِنْ لَمْحِ الْبَصَرِ لَخَلَقَ،وَ لَكِنَّهُ جَعَلَ الْأَنَاةَ وَ الْمُدَارَاةَ مِثَالاً [١١]،لِأُمَنَائِهِ،وَ إِيجَاباً لِلْحُجَّةِ عَلَى خَلْقِهِ،فَكَانَ أَوَّلُ مَا قَيَّدَهُمْ بِهِ الْإِقْرَارَ بِالْوَحْدَانِيَّةِ وَ الرُّبُوبِيَّةِ وَ الشَّهَادَةِ بِأَنْ لاَ إِلَهَ إِلاَّ اللَّهُ،فَلَمَّا أَقَرُّوا بِذَلِكَ تَلاَهُ بِالْإِقْرَارِ لِنَبِيِّهِ(صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَ آلِهِ)بِالنُّبُوَّةِ وَ الشَّهَادَةِ لَهُ بِالرِّسَالَةِ،فَلَمَّا
[١] المعارج ٧٠:٣٦-٣٩.
[٢] الإسراء ١٧:٧١.
[٣] القصص ٢٨:٨٨.
[٤] في«ط»و المصدر:فانّما أنزلت.
[٥] الرحمن ٥٥:٢٦،٢٧.
[٦] في«ج،ي»:تنافر.
[٧] النساء ٤:٣.
[٨] (و لا كل النساء أيتام...نكاح النساء)ليس في«ج،ي».
[٩] البقرة ٢:٥٧.
[١٠] سبأ ٣٤:٤٦.
[١١] في«ج»:منارا،و في المصدر:أمثالا.