البرهان في تفسير القرآن - البحراني، السيد هاشم - الصفحة ٨٣٨ - ١- باب في ردّ متشابه القرآن إلى تأويله
الشَّجَرَةِ الْمَلْعُونَةِ الَّذِينَ حَاوَلُوا إِطْفَاءَ نُورِ اللَّهِ بِأَفْوَاهِهِمْ فَأَبَى اللَّهُ إِلاَّ أَنْ يُتِمَّ نُورَهُ.وَ لَوْ عَلِمَ الْمُنَافِقُونَ لَعَنَهُمُ اللَّهُ مَا عَلَيْهِمْ مِنْ تَرْكِ هَذِهِ الْآيَاتِ الَّتِي بَيَّنْتُ لَكَ تَأْوِيلَهَا،لَأَسْقَطُوهَا مَعَ مَا أَسْقَطُوا مِنْهُ،وَ لَكِنَّ اللَّهَ تَبَارَكَ اسْمُهُ مَاضٍ حُكْمُهُ بِإِيجَابِ الْحُجَّةِ عَلَى خَلْقِهِ كَمَا قَالَ: فَلِلّٰهِ الْحُجَّةُ الْبٰالِغَةُ [١]،أَغْشَى أَبْصَارَهُمْ،وَ جَعَلَ عَلَى قُلُوبِهِمْ أَكِنَّةً عَنْ تَأَمُّلِ [٢] ذَلِكَ،فَتَرَكُوهُ بِحَالِهِ،وَ حُجِبُوا عَنْ تَأْكِيدِهِ الْمُلْتَبَسِ [٣]بِإِبْطَالِهِ،فَالسُّعَدَاءُ يَتَثَبَّتُونَ عَلَيْهِ، وَ الْأَشْقِيَاءُ يَعْمَوْنَ عَنْهُ وَ مَنْ لَمْ يَجْعَلِ اللّٰهُ لَهُ نُوراً فَمٰا لَهُ مِنْ نُورٍ [٤].
ثُمَّ إِنَّ اللَّهَ جَلَّ ذِكْرُهُ لِسَعَةِ رَحْمَتِهِ،وَ رَأْفَتِهِ بِخَلْقِهِ وَ عِلْمِهِ بِمَا يُحَدِّثُهُ الْمُبَدِّلُونَ مِنْ تَغْيِيرٍ كِتَابِهِ [٥]،قَسَمَ كَلاَمَهُ ثَلاَثَةَ أَقْسَامٍ:فَجَعَلَ قِسْماً يَعْرِفُهُ الْعَالِمُ وَ الْجَاهِلُ،وَ قِسْماً لاَ يَعْرِفُهُ إِلاَّ مَنْ صَفَا ذِهْنُهُ وَ لَطُفَ حِسُّهُ،وَ صَحَّ تَمْيِيزُهُ مِمَّنْ شَرَحَ اللَّهُ صَدْرَهُ لِلْإِسْلاَمِ،وَ قِسْماً لاَ يَعْرِفُهُ إِلاَّ اللَّهُ وَ أُمَنَاؤُهُ وَ الرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ،وَ إِنَّمَا فَعَلَ اللَّهُ ذَلِكَ لِئَلاَّ يَدَّعِيَ أَهْلُ الْبَاطِلِ مِنَ الْمُسْتَوْلِينَ عَلَى مِيرَاثِ رَسُولِ اللَّهِ(صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَ آلِهِ)مِنْ عِلْمِ الْكِتَابِ مَا لَمْ يَجْعَلْهُ اللَّهُ لَهُمْ،وَ لِيَقُودَهُمْ الاِضْطِرَارُ إِلَى الاِئْتِمَارِ بِمَنْ وَلاَّهُ أَمْرَهُمْ،فَاسْتَكْبَرُوا عَنْ طَاعَتِهِ تَعَزُّزاً وَ افْتِرَاءً عَلَى اللَّهِ عَزَّ وَ جَلَّ،وَ اغْتِرَاراً بِكَثْرَةِ مَنْ ظَاهَرَهُمْ وَ عَاوَنَهُمْ وَ عَانَدَ اللَّهَ عَزَّ اسْمُهُ وَ رَسُولُهُ(صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَ آلِهِ).
فَأَمَّا مَا عَلِمَهُ الْجَاهِلُ وَ الْعَالِمُ مِنْ فَضْلِ رَسُولِ اللَّهِ(صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَ آلِهِ)مِنْ كِتَابِ اللَّهِ،فَهُوَ قَوْلُ اللَّهِ سُبْحَانَهُ: مَنْ يُطِعِ الرَّسُولَ فَقَدْ أَطٰاعَ اللّٰهَ ،وَ قَوْلُهُ: إِنَّ اللّٰهَ وَ مَلاٰئِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ يٰا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَ سَلِّمُوا تَسْلِيماً [٦]،وَ لِهَذِهِ الْآيَةِ ظَاهِرٌ وَ بَاطِنٌ،فَالظَّاهِرُ:قَوْلُهُ: صَلُّوا عَلَيْهِ ،وَ الْبَاطِنُ:قَوْلُهُ: وَ سَلِّمُوا تَسْلِيماً أَيْ سَلِّمُوا لِمَنْ وَصَّاهُ وَ اسْتَخْلَفَهُ وَ فَضَّلَهُ عَلَيْكُمْ،وَ مَا عَهِدَ بِهِ إِلَيْهِ تَسْلِيماً،وَ هَذَا مِمَّا أَخْبَرْتُكَ أَنَّهُ لاَ يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلاَّ مَنْ لَطُفَ حِسُّهُ،وَ صَفَا ذِهْنُهُ،وَ صَحَّ تَمْيِيزُهُ،وَ كَذَلِكَ قَوْلُهُ تَعَالَى: سَلاٰمٌ عَلىٰ إِلْيٰاسِينَ [٧]لِأَنَّ اللَّهَ سَمَّى النَّبِيَّ(صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَ آلِهِ)بِهَذَا الاِسْمِ حَيْثُ قَالَ: يَس* وَ الْقُرْآنِ الْحَكِيمِ* إِنَّكَ لَمِنَ الْمُرْسَلِينَ [٨]،لِعِلْمِهِ بِأَنَّهُمْ يُسْقِطُونَ قَوْلَهُ:سَلاَمٌ عَلَى آلِ مُحَمَّدٍ،كَمَا أَسْقَطُوا غَيْرَهُ،وَ مَا زَالَ رَسُولُ اللَّهِ(صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَ آلِهِ)يَتَأَلَّفُهُمْ وَ يُقَرِّبُهُمْ وَ يُجْلِسُهُمْ عَنْ يَمِينِهِ وَ شِمَالِهِ حَتَّى أَذِنَ اللَّهُ عَزَّ وَ جَلَّ فِي إِبْعَادِهِمْ بِقَوْلِهِ: وَ اهْجُرْهُمْ هَجْراً جَمِيلاً [٩]،وَ بِقَوْلِهِ:
فَمٰا لِ الَّذِينَ كَفَرُوا قِبَلَكَ مُهْطِعِينَ* عَنِ الْيَمِينِ وَ عَنِ الشِّمٰالِ عِزِينَ* أَ يَطْمَعُ كُلُّ امْرِئٍ مِنْهُمْ أَنْ يُدْخَلَ جَنَّةَ نَعِيمٍ*
[١] الأنعام ٦:١٤٩.
[٢] في«ج»:تأويل.
[٣] في«ج،ي»:تأويل الملتبس،و في«ط»:تأكيد الملبس.
[٤] النور ٢٤:٤٠.
[٥] في«ي»:كلامه.
[٦] الأحزاب ٣٣:٥٦.
[٧] الصافّات ٣٧:١٣٠.
[٨] يس ٣٦:١-٣.
[٩] المزّمّل ٧٣:١٠.