نفحات الولاية - مكارم الشيرازي، الشيخ ناصر - الصفحة ٧٢ - الشرح والتفسير منزلة التقوى
الجميع والذي ينسجم مع الآيات القرآنيّة القائلة: «انَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ» [١]، «وَتَزَوَّدُوا فَإِنَّ خَيْرَ الزَّادِ التَّقْوَى» [٢]، «تِلْكَ الْجَنَّةُ الَّتِى نُورِثُ مِنْ عِبَادِنَا مَنْ كَانَ تَقِيّاً» [٣] وجعل للتقوى قيمتها العميقة.
والحقيقة هي أنّ التقوى شعور باطني بالمسؤوليّة فهي وليدة الإيمان القوي من جانب وأساس الطاعة واجتناب المعصية من جانب آخر، والتعبير بالحاجة بشأن اللَّه تعالى لا يعني أنّ اللَّه محتاج إلى العباد فالحاجة لغوياً لا تقتصر على الفقر، بل ترد أحياناً بمعنى الطلب والسؤال.
ثم خاض الإمام عليه السلام في الإشارة إلى الداعي لرعاية تقوى اللَّه فقال:
«فَاتَّقُوا اللَّهُ الَّذِي أَنْتُمْ بِعَيْنِهِ، ونَوَاصِيكُمْ [٤] بِيَدِهِ، وتَقَلُّبُكُمْ [٥] فِي قَبْضَتِهِ».
نعم فالعالم حاضر عند اللَّه وزمام الجميع بيده سبحانه، ورغم أنّ العباد أحرار في ما يمارسون من أعمال، إلّاأنّ هذه الحرية لا تعني سلب الذات القدسيّة قدرتها.
ثم قال عليه السلام لمزيد من التأكيد:
«انْ أَسْرَرْتُمْ عَلِمَهُ، وإِنْ أَعْلَنْتُمْ كَتَبَهُ؛ قَدْ وَكَّلَ بِذلِكَ حَفَظَةً كِرَاماً، لَايُسْقِطُونَ حَقّاً، وَلَا يُثْبِتُونَ بَاطِلًا».
وجاء في القرآن أيضاً: «وَأَسِرُّوا قَوْلَكُمْ أَواجْهَرُوا بِهِ إِنَّهُ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ» [٦].
وكذلك: «وَإِنَّ عَلَيْكُمْ لَحَافِظِينَ* كِرَاماً كَاتِبِينَ* يَعْلَمُونَ مَا تَفْعَلُونَ» [٧].
فمن البديهي أنّ كتابة الأعمال من قبل الملائكة الحفظة إنّما هو للتأكيد، وإلّا فقد اتضح من العبارات السابقة أنّ السر والعلانيّة سواء عند اللَّه وعلمه محيط بكلّ ما في السماوات والأرض، استناداً للعبارة
«قَدْ وَكَّلَ بِذلِكَ»
وحصر هذه الكتابة بأعمال
[١]. سورة الحجرات، الآية ١٣.
[٢]. سورة البقرة، الآية ١٩٧.
[٣]. سورة مريم، الآية ٦٣.
[٤]. «نواصي» جمع «ناصية» بمعنى شعر مقدمة الرأس وهي إشارة لقدرة اللَّه وكناية عن هيمنته على كلّ شيء.
[٥]. «تقلب» هنا بمعنى التصرف وكل تغيير إشارة إلّاأنّ بيده كلّ حركاتكم.
[٦]. سورة الملك، الآية ١٣.
[٧]. سورة الانفطار، الآيات ١٠- ١٢.