نفحات الولاية - مكارم الشيرازي، الشيخ ناصر - الصفحة ٢٦٩ - الشرح والتفسير الشيطان رأس العصبية
سَاجِدِينَ* فَسَجَدَ الْمَلَائِكَةُ كُلُّهُمْ أَجْمَعُونَ* إِلَّا إِبْلِيسَ»».
وبالطبع فإنّ اختبار اللَّه يختلف عن اختبار العباد؛ فإننا حين نختبر أحداً نريد أن نبدل جهلنا به إلى علم ولذلك يعبر عن هذا الامتحان بالاختبار؛ أمّا اللَّه تعالى طبق ما ورد سالفاً، العالِم بمكنونات القلوب ومحجوبات الغيوب لا يريد قط بهذه الاختبارات إضافة شيء لعلمه، بل اختباره لتظهر النيات الباطنيّة والخلقيّة والأسرار الخفية لعباده بلباس الأفعال فيستحقوا الثواب والعقاب، ذلك لأنّ النية لوحدها ليست كافية في هذا الأمر، والثواب والعقاب إنّما يترتب على الأعمال.
وهذا ما ذكره الإمام عليه السلام في موضع آخر من نهج البلاغة إذ قال:
«إنّهُ يَخْتَبِرُهُمْ بِالْامْوالِ والأَوْلادِ لِيَتَبَيَّنَ السّاخِطُ لِرِزْقِهِ والرّاضى بِقِسْمِهِ وإنْ كانَ سُبْحانَهُ أعْلَمُ بِهِمْ مِنْ أنْفُسِهِمْ لكِنْ لِتُظْهِرَ الأَفْعالُ الَّتى بِها يَسْتَحِقُّ الثَّوابَ والْعِقابَ» [١].
ثم خاض عليه السلام في شرح قضية إبليس وسبب تمرده على أمر اللَّه تعالى فقال:
«اعْتَرَضَتْهُ الْحَمِيَّةُ فَافْتَخَرَ عَلَى آدَمَ بِخَلْقِهِ، وتَعَصَّبَ عَلَيْهِ لِاصْلِهِ. فَعَدُوا للَّهِ إِمَامُ الْمُتَعَصِّبِينَ، وسَلَفُ الْمُسْتَكْبِرِينَ، الَّذِي وَضَعَ أَسَاسَ الْعَصَبِيَّةِ، ونَازَعَ اللَّهَ رِدَاءَ الْجَبْرِيَّةِ، وادَّرَعَ [٢] لِبَاسَ التَّعَزُّزِ [٣]، وخَلَعَ قِنَاعَ التَّذَلُّلِ».
فالواقع أنّ السبب الرئيسي لتمرد إبليس عملياً على أمر اللَّه تعالى هو تعصبه وغروره الذي أفرزه حسابه الخاطئ والذي يستند إلى الفخر والأنانيّة حيث لم يرَ في خلق آدم سوى حيثية التراب ولذلك عد نفسه أفضل منه فقال: «خَلَقْتَنِى مِنْ نَّار وَخَلَقْتَهُ مِنْ طِين» [٤] بينما أغفل تماماً الجانب المهم في وجود آدم إلّاوهو الروح الإلهيّة: «وَنَفَخْتُ فِيهِ مِنْ رُّوحِي فَقَعُوا لَهُ سَاجِدِينَ» [٥].
[١]. نهج البلاغة، الكلمة ٩٣.
[٢]. «ادرع» من «درع» على وزن «فكر» بمعنى الثوب ويستعمل أحياناً بمعنى لبس الثوب.
[٣]. «تعزز» بمعنى افتخر ورأى نفسه عزيزاً.
[٤]. سورة ص، الآية ٧٦.
[٥]. سورة ص، الآية ٧٦.