نفحات الولاية - مكارم الشيرازي، الشيخ ناصر - الصفحة ٢٦٨ - الشرح والتفسير الشيطان رأس العصبية
بالعظمة والكبرياء التي لا تليق إلّابذاته القدسيّة فقال:
«ألْحَمْدُ للَّهِ الَّذِي لَبِسَ الْعِزَّ والْكِبْرِيَاءَ، واخْتَارَهُمَا لِنَفْسِهِ دُونَ خَلْقِهِ، وجَعَلَهُمَا حِمىً [١] وحَرَماً عَلَى غَيْرِهِ،
واصْطَفَاهُمَا لِجَلَالِهِ. وجَعَلَ اللَّعْنَةَ عَلَى مَنْ نَازَعَهُ فِيهِمَا مِنْ عِبَادِهِ».
لا شك في أنّ العزّة والعظمة مختصة بالذات الإلهيّة المقدّسة، ذلك لأنّ كلّ ما سواه كائنات ضعيفة وعاجزة أمامه، إضافة إلى أنّ كلّ ما لديها منه، متى ما شاء أفاضه عليها ومتى شاء سلبه منها.
والعبارات الخمس الواردة في هذه الخطبة من قبيل قوله عليه السلام: لبس العز والكبرياء والتي لا تليق بغيره وأنّهما صفتان مختصتان باللَّه تعالى ويعبر عنهما أحياناً بالحمى والحرم (المنطقة المحظورة التي لا يحق للغير الدخول فيها) كما يعبر عنها بأنّ اللَّه تعالى اختارهما لنفسه وخص باللعن من سلك سبيل التكبر والفخر، كلّ هذه العبارات المختلفة تهدف إلى إيضاح حقيقة واحدة حيث تشير جميعها إلى أن لا سبيل لعباد اللَّه أمام الذات الإلهيّة القدسيّة سوى التواضع تجاهها وتجاه بعضهم البعض الآخر.
والواقع هو إنّ اللَّه سبحانه وتعالى ليس بحاجة إلى الكبر ولا بحاجة إلى أن يمدحه الآخرون به، فذاته القدسيّة عظيمة من جميع الجهات، ولكن لما كان الكبر والفخر لدى العباد مصدراً للبؤس والشقاء وظلم الناس لبعضهم البعض الآخر، فقد ورد هذا التحذير فيالعبارات السابقة من هذا الأمر ودعي الجميع للبساطة والتواضع.
وعلى هذا الأساس أشار الإمام عليه السلام في مواصلته لكلامه إلى أول امتحان للتواضع حين خلق اللَّه آدم عليه السلام فقال:
«ثُمَّ اخْتَبَرَ بِذلِكَ مَلَائِكَتَهُ الْمُقَرَّبِينَ، لِيَمِيزَ الْمُتَوَاضِعِينَ مِنْهُمْ مِنَ الْمُسْتَكْبِرِينَ، فَقَالَ سُبْحَانَهُ وهُوالْعَالِمُ بِمُضْمَرَاتِ الْقُلُوبِ، ومَحْجُوبَاتِ الْغُيُوبِ:
«إِنِّي خَالِقٌ بَشَراً مِّنْ طِين* فَإِذَا سَوَّيْتُهُ ونَفَخْتُ فِيهِ مِنْ رُّوحِي فَقَعُوا لَهُ
[١]. «حمى» بمعنى المنطقة الممنوعة من مادة «حماية» بمعنى الممانعة والدفاع عن الشيء ومن هنا تطلقالحميّة على وزن «جزية على» المريض الذي يجتنب ما يضرّ به.