نفحات الولاية - مكارم الشيرازي، الشيخ ناصر - الصفحة ٤٦٤ - الشرح والتفسير التخطيط الدقيق للمنافقين
وكثيراً ما تلاحظ الشواهد الحيّة لهذه العبارات العميقة المعنى في كلام الإمام عليه السلام طيلة التاريخ ولا سيما القرون الإسلاميّة الأُولى؛ ومن ذلك الحجج والذرائع لتنحية الإمام عليه السلام عن الخلافة (كونه شاباً أو فيه دعابة) وإحراق بيت الوحي بعد النّبي الأكرم صلى الله عليه و آله بذريعة المخالفة لإجماع المسلمين (الإجماع الذي ليس له من وجود خارجي) والمطالبة بدم عثمان ومن جانب أولئك الذين تلطخت أيديهم بدمه، ورفع القرآن على أسنة الرماح حين الأشراف على الهزيمة وما شابه ذلك.
والطريف أنّهم يتشبثون أحياناً ببعض الأمور التي تثير الدهشة لدى كلّ إنسان مطلع؛ مثلًا حين قيل لجيش معاوية إنّكم أنتم «الفئه الباغيه» التي أخبر عنها رسول اللَّه صلى الله عليه و آله في حديثه المعروف بشأن عمار حين خاطبه قبل ثلاثين سنة وقال له:
«يا عَمّارُ تَقتُلُكَ الفِئةُ الباغيةِ»
فردّوا على ذلك: إنّ قاتل عمار هو علي، لأنّه هو الذي أتى به! ونحن لم نقتله [١].
ثم أشار عليه السلام إلى حيلة أخرى من حيلهم في النفوذ إلى القلوب فقال:
«يَتَوَصَّلُونَ إِلَى الطَّمَعِ بِالْيَأَسِ لِيُقِيمُوا بِهِ أَسْوَاقَهُمْ، ويُنْفِقُوا بِهِ أَعْلَاقَهُمْ [٢]».
فهم نفعيون مشبوهون رأس مالهم الكفر والنفاق والضلال وزبائنهم السذج من الأفراد وثمن هذه المعاملة فقدان الدين والإيمان، على غرار بعض التجار الذين لا يهتمون للمشتري حين الشراء بغية استقطاب الآخرين لشراء بضائعهم على أساس أن:
«الإنْسانُ حَريصٌ عَلى ما مُنِعَ»
فيثيروا الرغبة لدى الطرف المقابل ليقبل على متاعهم الفاسد والتالف فيشتريه بأغلى الأثمان.
ثم قال عليه السلام:
«يَقُولُونَ فَيُشَبِّهُونَ، ويَصِفُونَ فَيُمَوِّهُونَ [٣]».
نعم! فهؤلاء دائماً ما يبدون النفاق والضلال بصيغة الحقّ ليقبله منهم الناس
[١]. صحيح مسلم، ج ٨، ص ١٨٥ وسفينة البحار، مادّة «عمر» وسائر مصادر الفريقين.
[٢]. «إعلاق» جمع «عِلْق» على وزن «حزب» الأشياء المحببة أو الشيء النفيس.
[٣]. «يمّوهون» من «تمويه» بمعنى تزيين الشيء للاضلال ومزج الحقّ بالباطل.