نفحات الولاية - مكارم الشيرازي، الشيخ ناصر - الصفحة ٤٣١ - اثتنا عشرة صفة أخرى
أضف إلى ذلك فالطمع يعطل الفكر والعقل ويعرض الإنسان للتذبذب والحيرة، كما قال عليه السلام في إحدى كلماته القصار:
«أكْثَرُ مَصارِعِ الْعُقُولِ تَحْتَ بُرُوقِ الْمَطامِعِ» [١].
ثم تطرق عليه السلام إلى ثلاث صفات أخرى من صفات المتّقين فقال:
«يَعْمَلُ الأَعْمَالَ الصَّالِحَةَ وهُو عَلَى وَجَل [٢]. يُمْسِي وهَمُّهُ الشُّكْرُ، ويُصْبِحُ وَهَمُّهُ الذِّكْرُ».
نعم! فلو أتى أولياء اللَّه بكلّ الأعمال الصالحة لظلوا يخشون عدم أدائهم حقّ العبودية للَّهوالتقصير في إمتثال التكليف، كما ورد في الحديث الشريف عن الحارث بن المغيرة أو أبيه، عن الإمام الصادق عليه السلام قال: قلت له: ما كان في وصيّة لقمان؟
قال عليه السلام:
«كَانَ فِيها الأعاجِيب وَكانَ أَعجَبُ مَا كَانَ فِيها أنْ قَالَ لإبنِهِ: خِفِّ اللَّهَ عَز وَجَلَّ خِيفَةً لَو جِئتَهُ بِبرّ الثّقَلَينِ لَعَذَّبَكَ، وَارجُ اللَّهَ رجَاءً لَو جِئتَهُ بِذُبُوبِ الثّقَلَينِ لَرَحِمَكَ ...» [٣].
وللقرآن الكريم تعابير مختلفة ورائعة بهذا الخصوص في وصفه للسابقين في الخيرات: «وَالَّذِينَ يُؤْتُونَ مَا أتَوا وَّقُلُوبُهُمْ وَجِلَةٌ أَنَّهُمْ إِلَى رَبِّهِمْ رَاجِعُونَ» [٤].
والعبارة:
«يُمْسِي وهَمُّهُ الشُّكْرُ، ويُصْبِحُ وَهَمُّهُ الذِّكْرُ»
إشارة إلى أنّ هؤلاء يبتدئون يومهم الذي يستانفون فيه العمل والنشاط باسم اللَّه وفي آخر اليوم حيث انفتحوا على تلك النعم الإلهيّة واستغلوها في مرضات اللَّه فيندفعون في الحمد والشكر، بالضبط كالجلوس على مائدة الطعام، فهم يشرعون بتناول الطعام باسم اللَّه وينتهون بشكره حين يرفعون أيديهم عن الطعام، رغم ما ذهب إليه بعض الشرّاح [٥] أنّ الاختلاف في التعبير من باب التنوع في العبارة والمراد أنّهم ذاكرون وشاكرون في الصباح والمساء وفي جميع الأحوال، إلّاأنّ الأنسب ما ذكرناه.
وقد وردت عبارات عميقة المعنى في الآيات والروايات بشأن أهميّة ذكر اللَّه.
[١]. نهج البلاغة، الكلمات القصار، الكلمة ٢١٩.
[٢]. «وجل» بمعنى الخوف و «وَجِل» على وزن «خجل» بمعنى الشخص الخائف.
[٣]. الكافي، ج ٢، ص ٦٧، كتاب الإيمان والكفر، باب الخوف والرجاء، ح ١.
[٤]. سورة المؤمنون، الآية ٦٠.
[٥]. في ظلال نهجالبلاغة، ج ٣، ص ١٦٩.