نفحات الولاية - مكارم الشيرازي، الشيخ ناصر - الصفحة ٤٣٣ - اثتنا عشرة صفة أخرى
ثم تطرق الإمام عليه السلام إلى بيان صفة أخرى من صفات المتّقين ذات الصلة بالتربية وتهذيب النفس فقال:
«انِ اسْتَصْعَبَتْ [١] عَلَيْهِ نَفْسُهُ فِيمَا تَكْرَهُ لَمْ يُعْطِهَا سُؤْلَهَا فِيمَا
تُحِبُّ».
هذا في الواقع أحد مراحل السلوك إلى اللَّه والذي يصطلح عليه بمرحلة «المعاقبة» التي تأتي بعد مراحل «المشارطة» و «المراقبة» و «المحاسبة» أي يشترط على نفسه منذ الصباح حين ينطلق في يومه الجديد على عدم مقارفة أي ذنب، ثم يعيش المراقبة طيلة يومه ومن ثم يتفرغ ليلًا لحساب ما أتى به من عمل في النهار، فإنّ ظفر بمخالفة هب لمعاقبة نفسه كأن يمنع نفسه ما ترغب فيه، مثلًا يحرم نفسه من الطعام اللذيذ والفراش المريح والنوم الكافي وما شاكل ذلك ليؤدب نفسه الجامحة فتعيش طاعة اللَّه في الأيّام القادمة، وهذا البرنامج مؤثر وعملي لتهذيب النفس وبالطبع أنّ كلّ من داوم عليه سيلمس آثاره وبركاته بعد مدّة ليست طويلة.
ثم أشار إلى أربع صفات مهمّة أخرى فقال:
«قُرَّةُ عَيْنِهِ فِيمَا لَايَزُولُ، وزَهَادَتُهُ فِيمَا لَايَبْقَى، يَمْزُجُ الْحِلْمَ بِالْعِلْمِ، والْقَوْلَ بِالْعَمَلِ».
والعبارة
«قُرَّةُ عَيْنِهِ»
بالنظر إلى أنّ «قرّة» من مادة «قرّ» (على وزن حرّ) تعني في الأصل البرودة والعرب تعتقد أنّ دموع الشوق باردة دائماً ودموع الحزن حارة ومحرقة، فإنّ هذه العبارة تقال حيث السرور والفرح، وعليه فمفهوم العبارة المذكورة أنّ عين المتّقين مسرورة بعالم الآخرة، ذلك لأنّه عالم خالد ودائم، كما قال القرآن عن أصحاب الجنّة: «خَالِدِينَ فِيهَا مَا دَامَتِ السَّموَاتُ وَالأَرْضُ» [٢] وقال أيضاً:
«فَلَا تَعْلَمُ نَفْسٌ مَّا أُخْفِىَ لَهُمْ مِّنْ قُرَّةِ أَعْيُن جَزَاءً بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ». [٣] وبالنظر إلى أنّه وحسب ما ورد في الأقسام السابقة من الخطبة فإنّ هؤلاء يرون بأعينهم في هذه
[١]. «استصعب» من «صعوبة» مأخوذة من «استصعاب» بمعنى التصعيب وعدم الخضوع.
[٢]. سورة هود، الآية ١٠٧.
[٣]. سورة السجدة، الآية ١٧.