نفحات الولاية - مكارم الشيرازي، الشيخ ناصر - الصفحة ٣٨٠ - الشرح والتفسير التربية في كنف النّبي صلى الله عليه و آله
ثم قال لمزيد من الايضاح:
«وَضَعَنِي فِي حِجْرِهِ وأَنَا وَلَدٌ يَضُمُّني الَى صَدْرِهِ، ويَكْنُفُنِي فِي فِرَاشِهِ، ويُمِسُّنِي جَسَدَهُ، ويُشِمُّنِي عَرْفَهُ [١]. وكَانَ يَمْضَغُ الشَّيءَ ثُمَ
يُلْقِمُنِيهِ».
فالعبارة تفيد أنّ النّبي الأكرم صلى الله عليه و آله لم يفرق قط بينه وبين ولده، وقد احتضن الإمام عليه السلام منذ كان صغيراً وأفاض عليه من أخلاقه الساميّة وغمره بالحبّ والحنان، وأضاف عليه السلام:
«ومَا وَجَدَ لِي كَذْبَةً فِي قَوْل، وَلَا خَطْلَةً [٢] فِي فِعْل».
إشارة إلى أنّه تربى في حضن النّبي صلى الله عليه و آله بحيث كان بمنتهى الصدق والإخلاص في القول والفعل والسير على الحقّ دون أدنى انحراف.
ثم تطرق عليه السلام إلى بيان هذه النقطة وهي: إنّي إن اتبعت النّبي صلى الله عليه و آله قبل البعثة واعتز بتلك الفترة وافتخر بتلك الفرصة، فذلك لأنّ النّبي صلى الله عليه و آله كان يتمتع منذ نعومة أظفاره بهدى اللَّه والطافه فقال:
«ولَقَدْ قَرَنَ اللَّهُ بِهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ مِنْ لَدُنْ أَنْ كَانَ فَطِيماً [٣]
أَعْظَمَ مَلَك مِنْ مَلَائِكَتِهِ يَسْلُكُ بِهِ طَرِيقَ الْمَكَارِمِ، ومَحَاسِنَ أَخْلَاقِ الْعَالَمِ، لَيْلَهُ ونَهَارَهُ. ولَقَدْ كُنْتُ أَتَّبِعُهُ اتِّبَاعَ الْفَصِيلِ [٤] أَثَرَ أُمِّهِ، يَرْفَعُ لِي فِي كُلِّ يَوْم مِنْ أَخْلَاقِهِ
عَلَماً، ويَأْمُرُنِي بِالْاقْتِدَاءِ بِهِ».
أي أنّ رعاية النّبي الأكرم صلى الله عليه و آله لي لم تكن مقتصرة على الجوانب الظاهريّة فحسب، بل كان يعلمني كلّ يوم درساً في الأخلاق والكمال والفضيلة وكنت أعي ذلك.
وتشير العبارة
«علماً»
إلى العلامات التي كانت توضع سابقاً على الطرق في الصحارى حتى يهتدي بها المسافرون في مسيرتهم فلا يضلون الطريق فيتجهون بكلّ ثقة إلى مقصدهم، وقد كانت لعلي عليه السلام هذه الهداية إلى الحقّ.
[١]. «عرف» بمعنى الرائحة الزكية.
[٢]. «خطلة» من مادة «خطل» على وزن «خطر» بمعنى الخطأ الذي ينشأ عن عدم الرؤية.
[٣]. «فطيم» من «فطام» معروفة.
[٤]. «فصيل» ولد الناقة الفطيم.