نفحات الولاية - مكارم الشيرازي، الشيخ ناصر - الصفحة ٣٨١ - الشرح والتفسير التربية في كنف النّبي صلى الله عليه و آله
ثم تطرق الإمام عليه السلام إلى أحد الفصول المهمّة في حياة النّبي صلى الله عليه و آله قبل البعثة؛ أي عبادته في غار حراء فقال:
«ولَقَدْ كَانَ يُجَاوِرُ فِي كُلِّ سَنَة بِحِرَاءَ فَأَرَاهُ، وَلَا يَرَاهُ غَيْرِي. ولَمْ يَجْمَعْ بَيْتٌ وَاحِدٌ يَوْمَئِذ فِي الْاسْلَامِ غَيْرَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وخَدِيجَةَ وأَنَا ثَالِثُهُمَا. أَرَى نُورَ الْوَحْيِ والرِّسَالَةِ، وأَشُمُّ رِيحَ النُّبُوَّةِ».
فالعبارة تشير إلى أنّ عبادته صلى الله عليه و آله في غار حراء كانت تتكرر لسنوات حيث قال الإمام عليه السلام:
«ولَقَدْ كَانَ يُجَاوِرُ فِي كُلِّ سَنَة بِحِرَاءَ»
كما تشير إلى أنّ عليّاً فقط كان يراه.
أضف إلى ذلك فقد مضت على الدعوة الإسلاميّة سنوات ولم يؤمن بها إلّاثلاثة:
النّبي وخديجة وعلي (صلوات اللَّه وسلامه عليهم).
وأمّا بشأن رؤية نور الوحي واستشمام ريح النبوّة فقد حملها بعض شرّاح نهج البلاغة على الجوانب المعنويّة بينما ذهب البعض الآخر إلى عدم المانع على حملها على الجوانب الظاهريّة والماديّة، أي أنّه حين نزول الوحي كان هنالك نور يسطع منه لا يراه سوى النّبي صلى الله عليه و آله وأميرالمؤمنين عليه السلام كما كان الجو يتعطر برائحة زكية لا يشمها سواهما ولا مانع من وجود بعض الكائنات المادية التي يدركها الأفراد من ذوي الشعور القوي بينما يتعذر إدراكها على الآخرين، فمثلًا يقال: إنّ بعض الطيور ذات الحاسة القوية بإمكانها إدراك الأشعة فوق البنفسجية أو الأشعة الحمراء التي يتعذر إدراكها علينا نحن البشر وسنتحدث في مبحث التأمّلات عن عبادة النّبي صلى الله عليه و آله في غار حراء وإيمان خديجة عليها السلام وعلي عليه السلام بصفتهما أول من آمن باللَّه وصدق بالنبي.
ثم أشار عليه السلام إلى أمر آخر بشأن علاقته بالنّبي فقال:
«ولَقَدْ سَمِعْتُ رَنَّةَ [١] الشَّيْطَانِ
حِينَ نَزَلَ الْوَحْيُ عَلَيْهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ فَقُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ مَا هذِهِ الرَّنَّةُ؟ فَقَالَ:
«هذَا الشَّيْطَانُ قَدْ أَيِسَ مِنْ عِبَادَتِهِ».
[١]. «رَنَّة» بمعنى العويل والصوت الحزين ويطلق أحياناً على الصراخ الشديد.