نفحات الولاية - مكارم الشيرازي، الشيخ ناصر - الصفحة ٢١٠ - الشرح والتفسير سلوني قبل أن تفقدوني
فقد أشار الإمام عليه السلام إلى هذا المعنى من الهجرة فقال:
«وَالْهِجْرَةُ قَائِمَةٌ عَلَى حَدِّهَا الأَوَّلِ. مَا كَانَ للَّهِ فِي أَهْلِ الأَرْضِ حَاجَةٌ مِنْ مُسْتَسِرِّ [١] الْامَّةِ ومُعْلِنِهَا» [٢].
«إمّة»:
بكسر الهمزة في العبارة المذكورة بمعنى (الحالة) وتشير هنا إلى الإيمان، أي الشخص الذي يكتم إيمانه، إلّاأنّ البعض قرأها بضم الهمزة ليصبح معنى العبارة، أولئك الأفراد من الأمّة الإسلاميّة الذين كتموا إيمانهم وأولئك الذين أعلنوه.
ثم تطرق الإمام عليه السلام بعد هذا البيان الإجمالي إلى شرح معنى الهجرة بكلام رقيق فقال:
«لَا يَقَعُ اسْمُ الْهِجْرَةِ عَلَى أَحَد بِمَعْرِفَةِ الْحُجَّةِ فِي الأَرْضِ. فَمَنْ عَرَفَهَا وأَقَرَّ بِهَا فَهُومُهَاجِرٌ. وَلَا يَقَعُ اسْمُ الْاسْتِضْعَافِ عَلَى مَنْ بَلَغَتْهُ الْحُجَّةُ فَسَمِعَتْهَا أُذُنُهُ ووَعَاهَا قَلْبُهُ» [٣].
وزبدة كلام الإمام عليه السلام أنّ الهجرة باقية في كلّ زمان ومكان على غرار عصر النّبي الأكرم صلى الله عليه و آله، لكن ليس بمعنى انتقال المؤمن من مكان إلى آخر، بل بمعنى معرفة حجّة اللَّه أي خليفة رسول اللَّه الحقّ، وحسب تعبير الحديث النبوي الشريف معرفة إمام الزمان والإيمان به، سواء حصل هذا الأمر عن طريق الهجرة المكانيّة أو بدونها، فالمهاجر الحقّ من عرف إمام زمانه، لأنّ الهدف من الهجرة الذي يتمثل في معرفة حجّة اللَّه في الأرض قد حصل عليه، ومن لم يكن كذلك فهو مستضعف قد يكون معذوراً وقد لا يكون كذلك.
فأولئك الذين تعذر عليهم السبيل إلى المعرفة هم من الطائفة الأُولى (معذورون) وأولئك الذين اتيح لهم سبيل المعرفة ولم يغتنموه فهم من الطائفة الثانية (غير معذورين).
[١]. «مستسرّ» من مادة «سرّ» بمعنى الشخص الذي يكتم شيئاً.
[٢]. طبقاً لما ورد في العبارة فإنّ (ما) في العبارة (ما كان للَّه ...) نافية، إلّاأنّ بعض شرّاح نهج البلاغة اعتبروها زمانيّة بمعنى (ما دام) وقالوا إنّ مفهوم العبارة هو أنّ الهجرة باقية ما دام اللَّه بحاجة إلى إيمان الناس والحاجة هنا بمعنى الطلب والمراد منها أوامر اللَّه ونواهيه للناس، ولكن يبدو المعنى الأوّل أنسب.
[٣]. لابدّ من الإلتفات إلى أنّ (إلّا) محذوفة في بعض نسخ صبحي الصالح لكنّها موجودة في النسخ المصححة وليس للعبارة من معنى صحيح بدون (إلّا).