نفحات الولاية - مكارم الشيرازي، الشيخ ناصر - الصفحة ١٦٠ - الشرح والتفسير صفات أخرى في الجمال والجلال
هذه الأمور، فهي تسبح في الفضاء بانتظام دون موضع وأعمدة، ثم أشار في العبارة اللاحقة إلى أنّ اللَّه حال دون إعوجاج الأرض أو تهافتها وانفراجها وأودها، ولكلّ من هذه المفردات معنى معين، فالأود إشارة إلى الثقل والضغط الذي يؤدّي إلى الإعوجاج، كما يوجب أحياناً التهافت أو الانفراج في البناء، واللَّه حفظ الأرض من كلّ ذلك.
ثم تطرق عليه السلام إلى سائر عجائب الأرض والتدبير الإلهي لإعدادها للحياة البشريّة فقال عليه السلام:
«أَرْسَى أَوْتَادَهَا، وضَرَبَ أَسْدَادَهَا [١]، وَاسْتَفَاضَ عُيُونَهَا، وخَدَّ [٢] أَوْدِيَتَهَا؛
فَلَمْ يَهِنْ مَا بَنَاهُ، وَلَا ضَعُفَ مَا قَوَّاهُ».
فالعبارة الأُولى إشارة إلى العديد من الآيات القرآنيّة الواردة بشأن الجبال وأنّ اللَّه وتد بها الأرض وجعلها كالمسامير، فقد جاء في سورة النبا: «وَالْجِبَالَ أَوْتَاداً» [٣] [٤] ولما كان أحد آثار الجبال أنّها تكمن بصورة سد في مقابل السيول والعواصف فقد عبّر عنها بالأسداد، وبالنظر إلى أنّ الخلل والشقّ في الجبال والمواضع الخالية في بعض أقسامها يؤدّي إلى خزن الماء ومن ثم جريان العيون، وكذلك شقوق الجبال التي تؤدّي إلى ظهور الأودية وانحدار مياه الأمطار إلى الأودية فقد ركز عليها الإمام عليه السلام في خطبته.
ولما أراد عليه السلام الإشارة إلى ربوبية اللَّه وتدبيره والتي تعدّ من صفات أفعاله فقد تطرق إلى صفات الذات وأشار بعبارات غاية في الروعة والدقّة إلى علم اللَّه وقدرته ووحدانيته فقال:
«هُوالظَّاهِرُ عَلَيْهَا بِسُلْطَانِهِ وعَظَمَتِهِ، وهُوالْبَاطِنُ لَهَا بِعِلْمِهِ ومَعْرِفَتِهِ، والْعَالِي عَلَى كُلِّ شَيء مِنْهَا بِجَلَالِهِ وعِزَّتِهِ. لَايُعْجِزُهُ شَيٌ مِنْهَا طَلَبَهُ، وَلَا
[١]. «أَسداد» جمع «سدّ».
[٢]. «خد» أخذ في الأصل من خد الإنسان الواقع على طرفي الوجه ثم اطلق علىالشقوق الواسعة والعميقة في الأرض. وذكر في الخطبة بمعنى الشق.
[٣]. سورة النبأ، الآية ٧.
[٤]. راجع شرح هذا الموضوع في التفسير الأمثل ذيل الآية ٣ من سورة الرعد والآية ١٥ من سورة النحل.