نفحات الولاية - مكارم الشيرازي، الشيخ ناصر - الصفحة ١٥٨ - الشرح والتفسير صفات أخرى في الجمال والجلال
فَصْلٌ، وَلَا لَهُ عَلَيْهَا فَضْلٌ، فَيَسْتَوِيَ الصَّانِعُ وَالْمَصْنُوعُ، ويَتَكَافَأَ الْمُبْتَدَعُ وَالْبَدِيعُ [١]».
ثم خاض في شرح صفة أخرى من صفاته البارزة تعالى أي قدرته فتعرض لمسألة الابدع والخلق دون سابقة فقال:
«خَلَقَ الْخَلَائِقَ عَلَى غَيْرِ مِثَال خَلَا مِنْ غَيْرِهِ، ولَمْ يَسْتَعِنْ عَلَى خَلْقِهَا بِأَحَد مِنْ خَلْقِهِ»
. فحين نتأمّل عالم الخلقة تطالعنا أنواع لا تحصى من المخلوقات في عالم الحشرات والنباتات والجمادات التي يمتاز كلّ منها ببنيته البديعة وخلقه الرائع الخاص، وهي الموجودات التي ليس لها من سابقة وقد كساها اللَّه سبحانه حلّة الوجود من طيات العالم وساقها لمسيرتها التكامليّة، والحال لو كان للإنسان بعض الصناعات لاكتسبها من الآخرين، فمثلًا تأمّل الإنسان أجنحة الطيور وكيفية طيرانها ففكّر في صنع طائرة غاية في البساطة، ثم جاء العلماء في زمان لاحق الواحد تلو الآخر ليستفيدوا من الاختراع السابق ويجدوا في إتمامه حتى بلغ الأمر ذروة تكامله في عصرنا الراهن.
وعلى هذا الأساس فإنّ علماءنا إمّا يستلهمون من الطبيعة في اختراعاتهم أو من الآخرين فهم لا يقومون بعمل دون سابقة ولا يقومون به دون الاستعانة بالآخرين والحال أعمالهم محدودة بينما اللَّه تعالى وفي ايجاده لهذه المخلوقات المتنوعة كافّة والتي لا تعدّ ولا تحصى ليس بحاجة إلى سابقة ولا لمعونة أحد.
ثم اتّجه عليه السلام إلى جانب آخر من قدرته اللامتناهية فقال:
«وأَنْشَأَ الأَرْضَ فَأَمْسَكَهَا مِنْ غَيْرِ اشْتِغَال، وأَرْسَاهَا عَلَى غَيْرِ قَرَار، وأَقَامَهَا بِغَيْرِ قَوَائِمَ، ورَفَعَهَا بِغَيْرِ دَعَائِمَ، وحَصَّنَهَا مِنَ الأَوَدِ [٢] وَالْاعْوِجَاجِ، ومَنَعَهَا مِنَ التَّهَافُتِ [٣] وَالْانْفِرَاجِ [٤]».
[١]. من الواضح أنّ الضمائر في بينها وعليها تعود إلى المحدثات، وأنّ قراءة صفات المحدثات بصيغة الإضافة وبدون الألف واللام (كما وردت في بعض النسخ) لأصبح المطلب أكثر وضوحاً، كما يصبح مفهوم العبارة أوضح إن استبدلت المبتدع بالمبدع كما في بعض النسخ لأنّ المبدع يعني الخالق والبديع في هذه الحالة يعني المخلوق والذي له معنى اسم المفعول.
[٢]. «أود» بمعنى الثقل الذي يوجب الاعوجاج.
[٣]. «التهافت» يعني التساقط.
[٤]. «الانفراج» يعني الانشقاق.