نفحات الولاية - مكارم الشيرازي، الشيخ ناصر - الصفحة ١٠٩ - الشرح والتفسير قدرته المطلقة في خلق الكائنات
والشهوة هي التي قادت إلى ذلك، فقد أشار الإمام عليه السلام في هذه العبارة القصيرة إلى موانع المعرفة والتي أفصح عنها القرآن الكريم بقوله: «كَلَّا بَلْ رَانَ عَلى قُلُوبِهِمْ مَّا كَانُوا يَكْسِبُونَ) [١].
وقوله:
«أَفَرَأَيْتَ مَنِ اتَّخَذَ إِلهَهُ هَوَاهُ وَأَضَلَّهُ اللَّهُ عَلى عِلْم وَخَتَمَ عَلَى سَمْعِهِ وَقَلْبِهِ وَجَعَلَ عَلَى بَصَرِهِ غِشَاوَةً» [٢].
كما تضمنت العديد من الآيات القرآنيّة دعوة الجميع إلى تأمّل أسرار الخلق والتفكر في قدرة اللَّه ونعمه علهم يعودون عن هذا الطريق إلى جادة الصواب.
ثم ركز الإمام عليه السلام على بعض الكائنات العجيبة في هذا العالم بعد فراغه من بيان أسرار الخليقة بصورة كلّية فقال:
«أَلَا يَنْظُرُونَ إِلَى صَغِيرِ مَا خَلَقَ، كَيْفَ أَحْكَمَ خَلْقَهُ، وأَتْقَنَ تَرْكِيبَهُ، وفَلَقَ لَهُ السَّمْعَ وَالْبَصَرَ، وسَوَّى [٣] لَهُ الْعَظْمَ وَالْبَشَرَ! [٤]».
حيث أشار الإمام عليه السلام إلى ستة أمور بشأن الحيوانات والحشرات الغاية في الصغر؛ الخلق المحكم، التركيب الصحيح، الإشتمال على الأذن والعين، والنظام الخاص في العظام والجلد، نعم فهذه الحشرات تتمتع بالأعضاء والوسائل كافّة التي تحتاجها رغم صغرها فقد أفاض اللَّه عليها بقدر جسمها وحاجتها ما أفاضه على بعض الحيوانات العظيمة كالفيل والجَمل وبالطبع يبدو خلق هذه الكائنات الصغيرة أعظم من تلك الكبيرة لما فيها من دقة وظرافة عجيبة.
ثم خاض الإمام عليه السلام في مرحلة أدق في تفاصيل مخلوقين صغيرين غالباً ما لا يكترت الإنسان لخلقتهما بعبارات رائعة، فقال بادئ الأمر بشأن النملة:
«انْظُرُوا إِلى النَّمْلَةِ فِي صِغَرِ جُثَّتِهَا، ولَطَافَةِ هَيْئَتِهَا، لَاتَكَادُ تُنَالُ بِلَحْظِ الْبَصَرِ، وَلَا بِمُسْتَدْرَكِ الْفِكَرِ».
[١]. سورة المطففين، الآية ١٤.
[٢]. سورة الجاثية، الآية ٢٣.
[٣]. «سوى» من مادة «تسوية» بمعنى التنظيم والترتيب.
[٤]. «بشر» جمع «بشرة» بمعنى ظاهر جلد البدن وتأتي بمعنى الإنسان.