الروض الأنف في شرح السيرة النبوية - عبد الرحمن السهيلي - الصفحة ١٧٥
ما أراد القوم إلا هلاكك و هلاك جندك. ما نعلم بيتا للّه اتخذه فى الأرض لنفسه غيره، و لئن فعلت ما دعوك إليه، لتهلكنّ، و ليهلكنّ من معك جميعا، قال: فما ذا تأمراننى أن أصنع إذا أنا قدمت عليه؟ قالا: تصنع عنده ما يصنع أهله: تطوف به و تعظّمه و تكرّمه، و تحلق رأسك عنده و تذلّ له، حتى تخرج من عنده، قال: فما يمنعكما أنتما من ذلك؟ قالا: أما و اللّه إنه لبيت أبينا إبراهيم، و إنه لكما أخبرناك، و لكنّ أهله حالوا بيننا و بينه بالأوثان التي نصبوها حوله، و بالدماء التي يهريقون عنده، و هم نجس أهل شرك- أو كما قالا له- فعرف نصحهما و صدق حديثهما فقرّب النفر من هذيل، فقطع أيديهم و أرجلهم، ثم مضى حتى قدم مكة، فطاف بالبيت، و نحر عنده، و حلق رأسه و أقام بمكة ستة أيام- فيما يذكرون- ينحر بها للناس، و يطعم أهلها، و يسقيهم العسل، و أرى فى المنام أن يكسو البيت، فكساه الخصف
فقالا له: تب إلى الله مما نويت فإنه بيت الله و حرمه، و أمراه بتعظيم حرمته ففعل فبرئ من دائه، و صحّ من وجعه. و أخلق بهذا الخبر أن يكون صحيحا فإن اللّه- سبحانه- يقول: «وَ مَنْ يُرِدْ فِيهِ بِإِلْحادٍ بِظُلْمٍ نُذِقْهُ مِنْ عَذابٍ أَلِيمٍ» الحج: ٢٥. أى: و من يسهم فيه بظلم. و الباء فى قوله: بظلم تدل على صحة المعنى، و أن من همّ فيه بالظلم- و إن لم يفعل- عذّب تشديدا فى حقه و تعظيما لحرمته، و كما فعل الله بأصحاب الفيل أهلكهم قبل الوصول إليه.
و قوله: فكسا البيت الخصف. جمع: خصفة، و هى شيء ينسج من الخوص و الليف، و الخصف أيضا: ثياب غلاظ. و الخصف لغة فى الخزف فى كتاب العين. و الخصف بضم الخاء و سكون الصاد هو: الجوز.
و يروى أن تبّعا لما كسا البيت المسوح و الأنطاع. انتفض البيت فزال ذلك عنه، و فعل ذلك حين كساه الخصف، فلما كساه الملاء و الوصائل قبلها.