الروض الأنف في شرح السيرة النبوية - عبد الرحمن السهيلي - الصفحة ١٤٨
..........
خصى نفسه، و صبّر مذاكيره، و جعلها فى حريرة، و وضع الحريرة فى حقّ، و ختم عليه، ثم جاء به الملك فاستودعه إياه، و جعل لا يدخل إلى المرأة فى ذلك القصر سواه، و لا تراها إلا عينه، حتى وضعت المولود ذكرا، فكره أن يسميه قبل أبيه، فسماه: شاهبور، و معناه: ابن الملك، فكان الصبى يدعى بهذا، و لا يعرف لنفسه اسما غيره، فلما قبل التعليم نظر فى تعليمه، و تقويم أوده.
و اجتهد فى كل ما يصلحه إلى أن ترعرع الغلام. فدخل الوزير يوما على أردشير، و هو واجم، فقال: لا يسوؤك اللّه أيها الملك! فقد ساءنى إطراقك و وجومك، فقال: كبرت سنى، و ليس لى ولد أقلده الأمر بعدى، و أخاف انتثار الأمر بعد انتظامه، و افتراق الكلمة بعد اجتماعها، فقال له: إن لى عندك وديعة أيها الملك، و قد احتجت إليها، فأخرج إليه الحقّة [١] بخاتمها، ففض الخاتم، و أخرج المذاكير منها، فقال له الملك: ما هذا؟ فقال: كرهت أن أعصى الملك حين أمرنى فى الجارية بما أمر، فاستودعتها بطن الأرض حيّة، حتى أخرج اللّه منها سليل الملك حيّا، و أرضعته و حضنته، و ها هو ذا عندى، فإن أمر الملك جئته به، فأمره أردشير بإحضاره فى مائة غلام من أبناء فارس، بأيديهم الصوالج [٢]
[١] هى الحق، و جمعها حقق و حقوق و حقاق، و حق، و أحقاق، و فى الطبرى أنه طلب من الملك أن يختم الحق بخاتمه.
[٢] مفردها: الصولج، و الصولجة، و هى عصا معقوف طرفها يضرب بها الفارس الكرة، و أيضا صولجانة و جمعها: صوالج و صوالجة و هى معربة، و فى الطبرى أنه طلب مائة غلام من أترابه و أشباهه فى الهيئة و القامة، ثم أمر الشيخ أن يدخلهم عليه جميعا، لا يفرق بينهم فى زى و لا قامة و لا أدب، ففعل الشيخ ذلك، فلما نظر إليهم أردشير قبلت نفسه ابنه من بينهم و استحلاه من غير أن يكون أشير له إليه، أو لحن به. ثم حدثت قصة الصوالج.