الروض الأنف في شرح السيرة النبوية - عبد الرحمن السهيلي - الصفحة ٦
إمام بسط سلطانه القوى على الكثير من أئمة الدين فى عصره و بعد عصره- لما ذهب إليه فى كتابه «الروض الأنف»- الهيمنة على من قاموا بشرح السيرة، أو الحديث عنها بعده؛ لأنه احتشد لهذا الكتاب بكل ما كان عليه من علم و ذكاء و معرفة و ريفة، فأودعه كل هذا، فكان أشبه «بدائرة معارف» فى السيرة و التاريخ و الحديث و الفقه و النحو و اللغة.
و الكتاب شرح لسيرة «ابن هشام» و حسبنا أن نذكر هذا؛ فسيرة ابن هشام أجلّ من أن تعرّف، فلمؤلّفها- أو لمهذّبها- المكانة الممتازة التي تتألق على ذرا التاريخ بآياتها الباهرة.
و أنت فى هذا الكتاب تجد نفسك بين عاطفة تتوهج بالأشواق، و عقل يرصد أفق الحقيقة، عاطفة قد لا يندى ظمأها إلا تهويلات الخرافات، و تهويمات الأساطير، و عقل يستشرف الحق علوىّ السلطان، و قد جعله الإيمان ذا رغبة فى أن يكون هذا الحق فى وضوحه جمال صبح ناضر، و ألق نور زكى باهر.
ثم أنت أيضا قبل هذا تحت سلطان عقيدة هى المثل الأعلى للحق فى صفائه و جماله و جلاله. عقيدة لا يلمح أحد فى حقائقها الإلهية أثارة ما من خيال يفتنه بسحره و شعره، و إنما يرى نورا و حياة بهما يكون النور، و تكون الحياة لكل مسلم، لأن هذه العقيدة حق من حكيم حميد.
ثم أنت- أيضا- أمام نصوص انتقلت إلينا عبر قرون. و الأمانة تفرض علينا أن نبقيها كما هى، لنعرف الحقيقة غير مشوبة بشيء. فهذا هو الواجب فى تحقيق التراث، فلا ينزع بنا الهوى إلى تحريف أو تبديل، فنعيد مأساة التراث حين استخفت به اللعنة اليهودية، فغيرت معالمه، و أحالته أمشاجا