الروض الأنف في شرح السيرة النبوية - عبد الرحمن السهيلي - الصفحة ٢٤٦
..........
فاستعان بذلك على ما أراده فى هذه الكنيسة من بهجتها و بهائها، و نصب فيها صلبانا من الذهب و الفضة، و منابر من العاج و الآبنس [١]، و كان أراد أن يرفع فى بنائها حتى يشرف منها على عدن، و كان حكمه فى العامل إذا طلعت عليه الشمس قبل أن يأخذ فى عمله أن يقطع يده، فنام رجل منهم ذات يوم، حتى طلعت الشمس، فجاءت معه أمّه، و هى امرأة عجوز، فتضرعت إليه تستشفع لابنها، فأبى إلا أن يقطع يده، فقالت: اضرب بمعولك اليوم، فاليوم لك، و غدا لغيرك، فقال: و يحك ما قلت!؟ فقالت: نعم كما صار هذا الملك من غيرك إليك، فكذلك يصير منك إلى غيرك، فأخذته موعظتها، و أعفى الناس من العمل فيها بعد. فلما هلك و مزقت الحبشة كل ممزّق، و أقفر ما حول هذه الكنيسة، فلم يعمرها أحد، و كثرت حولها السباع و الحيات، و كان كل من أراد أن يأخذ شيئا منها أصابته الجن [٢]، فبقيت من ذلك العهد بما فيها من العدد و الخشب المرصّع بالذهب و الآلات المفضّضة التي تساوى قناطير من المال، لا يستطيع أحد أن يأخذ منها شيئا إلى زمن أبى العباس، فذكر له أمرها، و ما يتهيب من جنّها و حيّاتها، فلم يرعه ذلك. و بعث إليها بابن الربيع عامله على اليمن معه أهل الحزم و الجلادة [٣]، فخرّبها، و حصلوا منها مالا كثيرا ببيع ما أمكن بيعه من رخامها و آلاتها، فعفا بعد ذلك رسمها، و انقطع خبرها،
[١] يريد خشب الآبنوس الذي ينبت فى الحبشة و الهند، و خشبه أسود صلب و اقرأ وصف بنائها فى الطبرى ص ١٣٧ ج ٢ طبعة دار المعارف.
[٢] خرافة و لا شك.
[٣] القوة مع الصبر على المكروه.