الروض الأنف في شرح السيرة النبوية - عبد الرحمن السهيلي - الصفحة ١٠
هوة سحيقة، و هو يحسب أنه يرقى معارج السماء!.
إنه نزّاع إلى إخضاع كل شيء فى وضح الشهود، أو فى سرائر الغيب لمقاييسه العقلية، أو- بتعبير أدق- لهواه يعبق بالفتنة الخلوب، فالخير هو ما يرى، أو ما يشعر أنه خير، و كذلك الشر، و كذلك الحق و الباطل، و إن يك كلّ ذلك فى مقياس الحقيقة مناقضا لرؤيته و وجدانه.
مثل هذا المترف بعبادة العقل، أو المسرف فى الجحود ينظر إلى محمد، و كأنما هو بشر بلا نبوة، أو آدمى هواه يقود نوازع حسّه، و يبطش بعواطف نفسه، و بهذه النظرة يرى فى محمد ما يرى الكفر فى الإيمان، و ما يرى الخبث فى الطيب، و ما يرى الحقد فى النعم المتلألئة الوسامة، الناضرة الجمال.
و يقول عنه عين ما تقول العداوة فى جهالتها و حماقتها و ضلالتها المركومة، و يسخر فى أعماقه التي تفح فيها أفاعية من قولنا: (صلى الله عليه و سلم).
و نحن المسلمين نعوذ باللّه من هؤلاء الذين أسرفوا فى التجريد و الجحود و الحقود، و من أولئك الذين أسرفوا فى العشق، و عاشوا أنضاءه، فرأوا الوجود كله أنوثة تلفح بالحرمان و الصدود، حين استبد بهم غرام جسدى لم يبرد لهم أواما، و لم يند منهم غليلا. و لم يقرّ بهم فى سكن.
فكان هذا التصور لمحمد، و كان هذا التصوير منهم للحقيقة.
إن الكتابة عن الرسول- (صلى الله عليه و سلم)- تفرض علينا أن نكون على بينة من الكتاب و السنة، و أن نجعل ما نقول حليفا للحق، و وليا للصدق، و كذلك يفرض على كلّ من يتصدى لتحقيق كتاب عن خاتم النبيين.
و من هنا تتجلى لنا خطورة الأمر و جلالته! فقد خلف لنا أسلافنا تراثا