التمهيد في علوم القرآن - ط مؤسسه فرهنگى انتشاراتى التمهيد - المعرفت، الشيخ محمد هادي - الصفحة ٤٩٨ - ب) متعة الحج
أخرج مسلم بإسناده عن أبي موسى أنّه كان يُفتي بالمتعة، فقال له رجل: رويدك ببعض فتياك، فإنّك لا تدري ما أحدث أمير المؤمنين في النُسُك بعدُ، حتّى لقيه بعدُ فسأله، فقال عمر: كرهت أنيظلّوا مُعْرِسين بهنّ فيالأراك[١]، ثمّ يروحون فيالحجّ تقطر رؤوسهم[٢].
و لعلّها بقيّة من عقائد قديمة[٣]، وقع مثلها في حياة الرسول صلى الله عليه و آله و سلم ممّا أثار غضبه.
فقد أخرج مسلم بإسناده عن عطاء: أنّ جماعة من صحابة النبيّ صلى الله عليه و آله و سلم أهلّوا بالحجّ مفردا، فقدم النبيّ صباح رابعة مضت من ذي الحجّة، فأمرهم أن يحلّوا و يصيبوا النساء، قال عطاء: لم يعزم عليهم و لكن أحلّهنّ لهم. فقال بعضهم لبعض: ليس بيننا و بين عرفة إلّا خمس، فكيف يأمرنا أن نُفضي إلى نسائنا فنأتي عرفة، تقطر مذاكيرنا.
فبلغ ذلك النبيّ صلى الله عليه و آله و سلم فقام فيهم، و قال- مُستغربا هذا الفضول من الكلام-: قد علمتم أنّي أتقاكم للّه و أصدقكم و أبرّكم، و لولا هديي لحللتُ كما تحلّون. و لو استقبلت من أمري ما استدبرت لم أسق الهدي. فحلّوا. قال جابر: فحللنا، و سمعنا و أطعنا.
و في رواية: فكبر ذلك علينا و ضاقت به صدورنا ... و في اخرى: كيف نجعلها متعةً و قد سمّينا الحجّ، فقال صلى الله عليه و آله و سلم: افعلوا ما آمركم به، ففعلوا[٤].
و في حديث طويل أخرجه مسلم بإسناده إلى الإمام جعفر بن محمّد الصادق عليه السلام، عن أبيه عن جابر، يشرح حجّ رسول اللّه صلى الله عليه و آله و سلم حتّى ينتهي إلى قوله صلى الله عليه و آله و سلم: «فمن كان منكم ليس معه هدي فليحلّ و ليجعلها عمرة» قال: فقام سراقة بن مالك بن جُعْشُم، فقال: يا رسول اللّه، أ لِعامِنا هذا أم لأبدٍ؟ فقال صلى الله عليه و آله و سلم: بل لأبدٍ أبدٍ[٥].
قال العلّامة الأمينيّ: و لم يكن نهي عمر عن المتعتين إلّا رأيا محضا و اجتهادا مجرّدا
[١] -. يقال: أعرس الرجل بامرأته إذا بنى بها. و الأراك: موضع قرب نمرة.
[٢] -. صحيح مسلم، ج ٤، ص ٤٥- ٤٦ باب نسخ التحلّل.
[٣] -. قال ابن قيّم الجوزيّ: كانت العرب في الجاهليّة تكره العمرة في أشهر الحجّ، و كانوا يقولون: إذا أدبر الدبر و عفى الأثر و انسلخ صفر فقد حلّت العمرة لمن اعتمر، زاد المعاد لابن قيّم، ج ١، ص ٢١٤؛ جامع البخاريّ، ج ٢، ص ١٧٥؛ صحيح مسلم، ج ٤، ص ٥٦.
[٤] -. راجع: صحيح مسلم في عدّة روايات، ج ٤، ص ٣٦- ٣٨؛ جامع البخاريّ، ج ٢، ص ١٧٥- ١٧٦.
[٥] -. صحيح مسلم، ج ٤، ص ٣٩- ٤٣؛ و في المحلّى ج ٧، ص ١٠٨: بل لأبد الأبد.