التمهيد في علوم القرآن - ط مؤسسه فرهنگى انتشاراتى التمهيد - المعرفت، الشيخ محمد هادي - الصفحة ١٦٩ - نماذج من تفاسير مأثورة عن النبي صلى الله عليه و آله و سلم
القرآن، أو كانوا يحتشمون سؤاله، لِما كان القرآن قد نزل بلغتهم، و في مناسبات كانوا هم حضور مشهدها. و أحيانا إذا كان إبهام في وجه آية، أو خفي المراد من سياقها، كانوا يراجعونه لا محالة، و في الأكثر كانوا يترصّدون أسئلة الأعراب أو الطارئين فيتبادرون إلى تفهّم ما يجري بينهم و بين الرسول بشأن معاني القرآن، حتّى قالوا: إنّ اللّه ينفعنا بالأعراب و مسائلهم.[١]
و بعد فقد جُمع من هذا و ذاك حشد كبير من تفاسير مأثورة عن رسول اللّه صلى الله عليه و آله و سلم رواها أئمّة الحديث في امّهات الجوامع الحديثيّة المعروفة. و الأكثر سؤالًا إنّما وقع عن مرادات القرآن، بعد وضوح الكلمة في مفهومها اللغويّ؛ حيث ظاهر اللفظ يُنبئ عن شيء، لكنّ المراد غير هذا الظاهر المفهوم حسب دلالة الوضع، أو يشكّ في إرادة هذا الظاهر، لقرائن حاليّة أو مقاليّة، تبعث على السؤال عن المراد الواقعيّ.
١. فقد سئل النبيّ صلى الله عليه و آله و سلم عن «السّائِحينَ» في قوله تعالى: «التَّائِبُونَ الْعابِدُونَ الْحامِدُونَ السَّائِحُونَ الرَّاكِعُونَ السَّاجِدُونَ»[٢]، فقال: هم الصائمون[٣]. فلا غموض في معنى السياحة، و لكن أيّ مصاديق السّياحة مقصودة هنا؟ و لعلّ هنا استعارة جاءت لأمر معنويّ، ممّا يدعو إلى السؤال عنه و مراجعة أهل الذكر. قال الطبرسيّ: السائح مِن: ساح في الأرض يسيح سيحا، إذا استمرّ في الذهاب، و منه السيح للماء الجاري، و من ذلك يسمّى الصائم سائحا، لاستمراره على الطاعة في ترك المشتهى. قال: و روي عن النبيّ أنّه قال: «سياحة امّتي الصيام»[٤].
٢. و سئل عن الاستطاعة في قوله تعالى: «وَ لِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطاعَ إِلَيْهِ سَبِيلًا»[٥] قال صلى الله عليه و آله و سلم: «الزاد و الراحلة»[٦]. فإنّ مفهوم الاستطاعة عامّ يشمل أيّ نحو من الاستطاعة و بأيّ وسيلة مقدورة و كانت بالإمكان، غير أنّ هذا غير المراد
[١] -. سبق ذلك في أوّل الفصل.
[٢] -. التوبة ١١٢: ٩.
[٣] -. المستدرك للحاكم، ج ٢، ص ٣٣٥.
[٤] -. مجمع البيان، ج ٥، ص ٧٥ و ٧٦.
[٥] -. آل عمران ٩٧: ٣.
[٦] -. الإتقان، ج ٤، ص ٢١٨.