التمهيد في علوم القرآن - ط مؤسسه فرهنگى انتشاراتى التمهيد - المعرفت، الشيخ محمد هادي - الصفحة ٩٥ - منهج القرآن في الإفادة و البيان
و أمر ثالث مستفاد من الآية الكريمة: أنّ هدايته للناس كانت فضلًا من اللّه و رحمة، ناشئة عن مقام فيضه القدّوسيّ، و ليس عن حقّ عليه سبحانه «فَلَوْ لا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَ رَحْمَتُهُ لَكُنْتُمْ مِنَ الْخاسِرِينَ»[١]، «وَ ما كُنْتَ تَرْجُوا أَنْ يُلْقى إِلَيْكَ الْكِتابُ إِلَّا رَحْمَةً مِنْ رَبِّكَ»[٢].
فالإنسان بذاته لا يستحقّ شيئا على ربّه، و إنّما اللّه هو الذي تفضّل على الإنسان برحمته «الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي هَدانا لِهذا وَ ما كُنَّا لِنَهْتَدِيَ لَوْ لا أَنْ هَدانَا اللَّهُ»[٣]، و من ثَمّ عقّب سبحانه الآية بقوله: «فَضْلًا مِنَ اللَّهِ وَ نِعْمَةً وَ اللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ»[٤].
*** و في السورة إشارة إلى مسألة التعاون في الحياة الاجتماعيّة، جاءت في قوله تعالى:
«يا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْناكُمْ مِنْ ذَكَرٍ وَ أُنْثى وَ جَعَلْناكُمْ شُعُوباً وَ قَبائِلَ لِتَعارَفُوا إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقاكُمْ»[٥].
و فيها الإشارة إلى مسألة «المساواة» و أن لا شعوبيّة في الإسلام، و لا عنصريّة، و لا قوميّة، و أن لا فضل لأحد على غيره إطلاقا، لا حسبا و لا نسبا، إلّا بفضيلة التقوى، و هو التعهّد في ذات اللّه.
كما فيها الإشارة أيضا إلى مسألة «الأُخوّة الإسلاميّة» المتطلّبة للإيثار و التضحية، فوق قانون العدل و الإنصاف.
*** و في القرآن كثير من عبارات يسيرة انطوت على مفاهيم ذات أحجام كبيرة.
كقوله تعالى في سورة الأنفال: «وَ ما رَمَيْتَ إِذْ رَمَيْتَ وَ لكِنَّ اللَّهَ رَمى»[٦] إشارة إلى مسألة «الأمر بين الأمرين» و أن لا جبر و لا تفويض، و هي من المسائل المذيّلة ذات تفصيل طويل.
[١] -. البقرة ٦٤: ٢.
[٢] -. القصص ٨٦: ٢٨.
[٣] -. الأعراف ٤٣: ٧.
[٤] -. الحجرات ٨: ٤٩.
[٥] -. الحجرات ١٣: ٤٩.
[٦] -. الأنفال ١٧: ٨.