التمهيد في علوم القرآن - ط مؤسسه فرهنگى انتشاراتى التمهيد - المعرفت، الشيخ محمد هادي - الصفحة ٩٤ - منهج القرآن في الإفادة و البيان
و أيسر كلمات، ربّما يكون حجم المطالب أضعاف حجم الكلمات و التعابير. و القرآن ملؤه ذلك، و هو من اختصاصه، أن يُدلي بأوفر المعاني في أوجز الألفاظ.
هذه سورة الحجرات على قصرها، و هي ثماني عشرة آية، تحتوي على أكثر من عشرين مسألة من امّهات المسائل الإسلاميّة العريقة، نزلت بالمدينة؛ لتنظيم الحياة الاجتماعيّة العادلة. و قد تعرّض لها المفسّرون و لا سيّما المتأخّرين بتفصيل، و تعرّضنا لأكثرها في تفسيرنا للسورة.
و ممّا جاء فيها التعرّض لقاعدة «اللطف» التي هي أساس الشرائع، و مسألة «الحبّ في اللّه و البغض في اللّه» التي هي أساس الإيمان، في أقصر عبارة: «وَ لكِنَّ اللَّهَ حَبَّبَ إِلَيْكُمُ الْإِيمانَ وَ زَيَّنَهُ فِي قُلُوبِكُمْ وَ كَرَّهَ إِلَيْكُمُ الْكُفْرَ وَ الْفُسُوقَ وَ الْعِصْيانَ»[١]. فمن لطفه تعالى و عنايته بعباده أن مهّد لهم أسباب الطاعة و قرّبها إليهم، ليتمكّنوا من طاعة اللّه و يجتنبوا الفسوق و العصيان، و ذلك بأن زيّن الإيمان و الطاعة في قلوبهم، أي أبدى لهم زينة الإيمان، بأن رفع عن أعينهم غشاء التعامي، كما أنّه تعالى كرّه إليهم العصيان بأن أظهر قبحه في أعينهم فكرهوه في ذات أَنفسهم. فالمؤمن إنّما يطيع اللّه و هو محبَّب له الطّاعة، و من ثَمّ فإنّه يُقدم على الطاعة في وداعة و طمأنينة و يسر، كما أنّه يجتنب المعاصي في يسر؛ لأنّه عن نفرة لها في نفسه.
و هذه هي قاعدة اللطف تمهيد ما يوجب قرب العباد إلى الطاعة و بُعدهم عن المعصية، مستفادة من الآية الكريمة.
و شيء آخر: مسألة «الحبّ في اللّه و البغض في اللّه» و هي أساس الإيمان و صلب العقيدة، و الباعث على الجدّ في العمل، و من ثَمّ قال الإمام الصادق عليه السلام: «و هل الإيمان إلّا الحبّ و البغض، ثمّ تلا الآية الكريمة»[٢] و قد قال تعالى: «قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ»[٣].
[١] -. الحجرات ٧: ٤٩.
[٢] -. الكافي، ج ٢، ص ١٢٥ رقم ٥.
[٣] -. آل عمران ٣١: ٣.