التمهيد في علوم القرآن - ط مؤسسه فرهنگى انتشاراتى التمهيد - المعرفت، الشيخ محمد هادي - الصفحة ٩٣ - منهج القرآن في الإفادة و البيان
أشرك، و لا مطلق النصارى بل يهود يثرب ممّن عاصر نبيّ الإسلام، و مشركو قريش، و نصارى نجران، و قيل: وفد النجاشيّ ذلك العهد؛ لأنّها حكاية عن امّة ماضية أسلم من أسلم منهم، و عاند من عاند.
فقد جاء تعقيب الآية بقوله: «وَ إِذا سَمِعُوا ما أُنْزِلَ على الرَّسُولِ تَرى أَعْيُنَهُمْ تَفِيضُ مِنَ الدَّمْعِ مِمَّا عَرَفُوا مِنَ الْحَقِّ يَقُولُونَ رَبَّنا آمَنَّا فَاكْتُبْنا مَعَ الشَّاهِدِينَ وَ ما لَنا لا نُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَ ما جاءَنا مِنَ الْحَقِّ وَ نَطْمَعُ أَنْ يُدْخِلَنا رَبُّنا مَعَ الْقَوْمِ الصَّالِحِينَ فَأَثابَهُمُ اللَّهُ بِما قالُوا جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهارُ خالِدِينَ فِيها وَ ذلِكَ جَزاءُ الْمُحْسِنِينَ وَ الَّذِينَ كَفَرُوا وَ كَذَّبُوا بِآياتِنا- يعني بهم اليهود و المشركين- أُولئِكَ أَصْحابُ الْجَحِيمِ»[١].
و هذا نظير قوله تعالى عن المخلّفين من الأعراب: «سَيَقُولُ لَكَ الْمُخَلَّفُونَ مِنَ الْأَعْرابِ شَغَلَتْنا أَمْوالُنا وَ أَهْلُونا»[٢] إشارة إلى خصوص من قعد عن الحرب أيّام الرسول صلى الله عليه و آله و سلم.
و كذا «الناس» في قوله: «الَّذِينَ قالَ لَهُمُ النَّاسُ إِنَّ النَّاسَ قَدْ جَمَعُوا لَكُمْ فَاخْشَوْهُمْ»[٣] حيث المراد بالناس الأوّل: هم المنافقون المرجفون من أهل المدينة، و الناس الثاني: هم مشركو قريش رهط أبيسفيان، بعد هزيمتهم من أُحد.
و هكذا قوله تعالى: «الْأَعْرابُ أَشَدُّ كُفْراً وَ نِفاقاً وَ أَجْدَرُ أن لا يَعْلَمُوا حُدُودَ ما أَنْزَلَ اللَّهُ عَلى رَسُولِهِ وَ اللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ»[٤] المراد من عاصروا النبيّ من أهل الجفاء و النفاق، كما في قوله: «وَ مِمَّنْ حَوْلَكُمْ مِنَ الْأَعْرابِ مُنافِقُونَ وَ مِنْ أَهْلِ الْمَدِينَةِ مَرَدُوا عَلَى النِّفاقِ»[٥] و غير ذلك ممّا وقع هذا التعبير في مواضع من سورة براءة (الآيات: ٩٠، ٩٧، ٩٨، ٩٩ و ١٠١) حيث المقصود من الجميع: أعراب المدينة و من حولها.
*** و جهة ثالثة: إيفاؤه بالوفرة الوفيرة من المطالب و مختلف المسائل، في أقصر تعابير
[١] -. المائدة ٨٣: ٥- ٨٦.
[٢] -. الفتح ١١: ٤٨.
[٣] -. آل عمران ١٧٣: ٣.
[٤] -. التوبة ٩٧: ٩.
[٥] -. التوبة ١٠١: ٩.