التمهيد في علوم القرآن - ط مؤسسه فرهنگى انتشاراتى التمهيد - المعرفت، الشيخ محمد هادي - الصفحة ٨٧ - منهج القرآن في الإفادة و البيان
يمكن إرادة معنى آخر كذلك في استعمال واحد، مع استلزامه للحاظ آخر غير لحاظه الأوّل في نفس الوقت. هكذا جاء في تقرير كلام العلّامة الأُصوليّ الكبير المحقّق الخراسانيّ[١].
و جاء الخلف ليجعلوا من هذا الامتناع العقليّ ممكنا في ذاته، و ممتنعا في العادة؛ حيث لم يتعارف ذلك و لم يعهد استعمال لفظة و إرادة معنيين مستقلّين في المتعارف العامّ، فالاستعمال كذلك كان خلاف المتعارف حتّى و لو كان ممكنا في ذاته، نظرا لأنّ الاستعمال (استعمال اللفظة و إرادة المعنى) إنّما هو بمثابة جعل العلامة من قبيل الإشارات و العلائم الإخطاريّة، فلا مانع عقلًا من استعمال علامة لغرض الإخطار إلى معنيين أو أكثر؛ إذا كان اللفظ صالحا له بالذات، فيما إذا كان قد وضع لكلا المعنيين مشتركا لفظيّا، أو أمكن انتزاع مفهوم عامّ. نعم، لم يعهد ذلك في الاستعمالات المتعارفة.
الأمر الذي استسهله القرآن و خرج على المتعارف، و جعله جائزا و واقعا في استعمالاته[٢]. فقد استعمل اللفظة و أراد معناها الظاهريّ، حسب دلالته الأوّليّ، لكنّه في نفس الوقت صاغ منه مفهوما عامّا و شاملًا ثانيا، يشمل موارد أُخر ليكون هذا المفهوم العامّ الثانويّ هو الأصل المقصود بالبيان، و الضامن لبقاء المفاهيم القرآنيّة عامّة و شاملة عبر الأيّام، و ليست بالمقتصرة على موارد النزول الخاصّة.
و كان المفهوم البدائيّ للآية، و الذي كان حسب مورد نزولها الخاصّ، هو معناها الظاهر، و يسمّى ب- «التّنزيل». أمّا المفهوم العامّ المنتزع من الآية الصالح للانطباق على الموارد المشابهة، فهو معناها الباطن، المعبّر عنه ب- «التأويل»، و هذا المفهوم الثانويّ العامّ للآية هو الذي ضمن لها البقاء عبر الأيّام.
[١] -. هو المولى محمّد كاظم الخراسانيّ صاحب كفاية الاصول راجع: حقائق الاصول للإمام الحكيم، ج ١، ص ٨٩- ٩٠.
[٢] -. و ذلك نظرا لإحاطته تعالى و شمول عنايته لجميع عباده. و لا يخفى أنّ المفهوم العامّ المنتزع من الآية، هو بنفسه معنى آخر مقصود مستقلًاّ وراء إرادة المعنى الظاهري الأوّليّ، فكلّ من المعنيين الظاهر و الباطن مقصود بذاته، و إن كان المعنى الظاهري مندرجا تحت المفهوم العامّ المنتزع من الآية.