التمهيد في علوم القرآن - ط مؤسسه فرهنگى انتشاراتى التمهيد - المعرفت، الشيخ محمد هادي - الصفحة ٨٦ - منهج القرآن في الإفادة و البيان
نفس الوقت ممتنع في الإفادة بمبانيه الشامخة، و الإدلاء بمراميه الشاسعة، ذلك أنّه جمع بين دلالة الظاهر و خفاء الباطن، في ظاهر أنيق و باطن عميق.
قال رسول اللّه صلى الله عليه و آله و سلم: «و هو الدليل يدلّ على خير سبيل، و هو كتاب فيه تفصيل و بيان و تحصيل، و هو الفصل ليس بالهزل، و له ظهر و بطن، فظاهره حكم و باطنه علم، ظاهره أنيق و باطنه عميق. له نجوم و على نجومه نجوم، لا تحصى عجائبه و لا تبلى غرائبه. فيه مصابيح الهدى و منار الحكمة، و دليل على المعرفة لمن عرف الصفة»[١].
«فما من آية إلّا و لها ظهر و بطن»، كما في حديث آخر مستفيض[٢]، فهناك عبارات لائحة يستجيد فهمها العامّة فهما كانت لهم فيه قناعة نفسيّة كاملة، و لكنّها إلى جنب إشارات غامضة كانت للخاصّة، فيحلّوا من عُقدها، و يكشفوا من معضلها، حسبما أُوتوا من مهارة علميّة فائقة.
و بذلك قد وفّق القرآن في استعمالاته للجمع بين معان ظاهرة و اخرى باطنة؛ لتفيد كلّ لفظة معنيين أو معاني متراصّة، و ربّما مترامية حسب ترامي الأجيال و الأزمان، الأمر الذي كان قد امتنع حسب المتعارف العامّ، فيما قال الأُصوليّون: من امتناع استعمال لفظة واحدة و إرادة معان مستقلّة. لكن القرآن رغم هذا الامتناع نراه قد استسهله، و أصبح منهجا له في الاستعمال.
*** كان ممّن سلف من الأُصوليّين من يرى امتناع استعمال اللفظ و إرادة معنيين امتناعا عقليّا، نظرا إلى أنّ حقيقة الاستعمال ليس مجرّد جعل اللفظ علامة لإرادة المعنى، بل جعله وجها و عنوانا له، بل بوجه نفسه كأنّه الملقى؛ و لذا يسري إليه قبحه و حسنه. و عليه فلا يمكن جعل اللفظ كذلك إلّا لمعنى واحد، ضرورة أنّ لحاظه كذلك لا يكاد يمكن إلّا بتبع لحاظ المعنى، فانيا فيه فناء الوجه في ذي الوجه، و العنوان في المعنون، و معه كيف
[١] -. الكافي، ج ٢، ص ٥٩٩.
[٢] -. رواه الفريقان. راجع: تفسير العيّاشيّ، ج ١، ص ١١؛ بحار الأنوار، ج ٨٩، ص ٨٨- ٩٥ ط بيروت.