التمهيد في علوم القرآن - ط مؤسسه فرهنگى انتشاراتى التمهيد - المعرفت، الشيخ محمد هادي - الصفحة ٧٣ - خلاصة القول في التفسير بالرأي
و قد قال اللّه تعالى: «وَ أَنَّ الْمَساجِدَ لِلَّهِ» يعني به هذه الأعضاء السبعة التي يسجد عليها «فَلا تَدْعُوا مَعَ اللَّهِ أَحَداً»[١]، و ما كان للّه لم يقطع.
فأعجب المعتصم هذا الاستنتاج البديع، و أمر بالقطع من الأشاجع[٢].
انظر إلى هذه الالتفاتة الرقيقة، يجعل من آية المساجد، بتأويل ظاهرها (هي المعابد) إلى باطنها (الشمول لما يُسجَد به، أي يتحقّق به السجود)، منضمّة إلى كلام الرسول في بيان مواضع السجدة، يجعل من ذلك كلّه دليلًا على تفسير آية القطع و تعيين موضعه، بهذا النمط البديع.
و قد استظهر عليه السلام من الآية أنّ راحة الكفّ، و هي من مواضع السجود، كانت للّه، فلا تشملها عقوبة الحدّ التي هي جزاء سيّئةٍ، لا تحلّ فيما لا يعود إلى مرتكبها، فإنّ راحة الكفّ موضع السجود للّه.
*** و للأُستاذ الذهبيّ- هنا- محاولة غريبة يجعل من التفسير بالرأي قسمين: قسما جائزا و ممدوحا، و آخَر مذموما غير جائز. و حاول تأويل حديث المنع إلى القسم المذموم.
قال: و المراد بالرأي هنا الاجتهاد، و عليه فالتفسير بالرأي عبارة عن تفسير القرآن بالاجتهاد، بعد معرفة المفسِّر لكلام العرب و مناحيهم في القول، و معرفته للألفاظ العربيّة و وجوه دلالتها، و استعانته في ذلك بالشعر الجاهليّ، و وقوفه على أسباب النزول، و معرفته بالناسخ و المنسوخ من آيات القرآن، و غير ذلك من الأدوات التي يحتاج إليها المفسِّر.
قال: و اختلف العلماء قديما في جواز تفسير القرآن بالرأي، فقوم تشدّدوا في ذلك و لم يجيزوه، و قوم كان موقفهم على العكس فلم يروا بأسا من أن يفسّروا القرآن باجتهادهم، و الفريقان على طرفي نقيض فيما يبدو، و كلّ يعزّز رأيه بالأدلّة و البراهين.
[١] -. الجنّ ١٨: ٧٢.
[٢] -. تفسير العيّاشيّ، ج ١، ص ٣١٩- ٣٢٠.