التمهيد في علوم القرآن - ط مؤسسه فرهنگى انتشاراتى التمهيد - المعرفت، الشيخ محمد هادي - الصفحة ٥٩ - التفسير بالرأي
و الآخر:- و هو أثبت القولين و أصحّهما معنى- من قال في القرآن قولًا يعلم أنّ الحقّ غيره، فليتبوّأ مقعده من النار.
و قال: و أمّا حديث جُندَب عن رسول اللّه صلى الله عليه و آله و سلم: «من قال في القرآن برأيه فأصاب فقد أخطأ»[١]، فحمل بعض أهل العلم هذا الحديث على أنّ الرأي معنيّ به الهوى. من قال في القرآن قولًا يوافق هواه، لم يأخذه عن أئمّة السلف، فأصاب فقد أخطأ، لحُكمه على القرآن بما لا يعرف أصله، و لا يقف على مذاهب أهل الأثر و النقل فيه.
و قال ابن عطيّة: «و معنى هذا أن يُسأل الرجل عن معنى في كتاب اللّه عزّ و جلّ، فيتسوّر عليه برأيه[٢] دون نظر فيما قال العلماء، و اقتضته قوانين العلم كالنحو و الاصول.
و ليس يدخل في هذا الحديث، أن يفسّر اللغويّون لغته، و النحويّون نحوه، و الفقهاء معانيه، و يقول كلّ واحد باجتهاده المبنيّ على قوانين علم و نظر، فإنّ القائل على هذه الصفة ليس قائلًا بمجرّد رأيه».
قال القرطبيّ- تعقيبا على هذا الكلام-: هذا صحيح، و هو الذي اختاره غير واحد من العلماء، فإنّ من قال في القرآن بما سنح في وهمه و خطر على باله من غير استدلال عليه بالأُصول فهو مخطئ، و إنّ من استنبط معناه بحمله على الاصول المحكمة المتّفق على معناها، فهو ممدوح.
و قال بعض العلماء: إنّ التفسير موقوف على السماع، للأمر بردّه إلى اللّه و الرسول[٣].
قال: و هذا فاسد؛ لأنّ النهي عن تفسير القرآن لا يخلو: إمّا أن يكون المراد به الاقتصار على النقل و السماع و ترك الاستنباط، أو المراد به أمرا آخر. و باطل أن يكون المراد به أن لا يتكلّم أحد في القرآن إلّا بما سمعه، فإنّ الصحابة قد قرأوا القرآن و اختلفوا في تفسيره على وجوه، و ليس كلّ ما قالوه سمعوه من النبيّ صلى الله عليه و آله و سلم، و قد دعا لابن عباس: «اللّهمّ فقّهه
[١] -. جامع الترمذيّ، ج ٥، ص ٢٠٠، رقم ٢٩٥٢.
[٢] -. تسوّر الحائط: هجم عليه هجوم اللصّ و تسلّقه. و يعني به هنا: التهجّم والإقدام بغير بصيرة و لا وعي.
[٣] -. النساء ٥٩: ٤.