التمهيد في علوم القرآن - ط مؤسسه فرهنگى انتشاراتى التمهيد - المعرفت، الشيخ محمد هادي - الصفحة ٥١٢ - العاشر مسألة البداء
قال تعالى: «وَ حُشِرَ لِسُلَيْمانَ جُنُودُهُ مِنَ الْجِنِّ وَ الْإِنْسِ وَ الطَّيْرِ فَهُمْ يُوزَعُونَ»[١].
غير أنّ الذين يُحشرون إلى النار هم أعداء اللّه جميعا و ليس فريق منهم، قال تعالى:
«وَ يَوْمَ يُحْشَرُ أَعْداءُ اللَّهِ إِلَى النَّارِ فَهُمْ يُوزَعُونَ»[٢]. قوله: يوزعون، أي يدفع بعضهم بعضا فيتدافعون إلى النار لكثرتهم و ازدحامهم.
أمّا تلك الآية فالحشر و التدافع كان بالفوج فحسب، و ليس كلّ أعداء اللّه. و التفسير بالزعماء و القادة أمام الأتباع و السَفَلة، تخرّص بالغيب لا مستند له.
العاشر: مسألة البداء
البداء في التكوين كالنسخ في التشريع، أمر واقع، و قد صرّح به الكتاب و تواترت به الروايات، عن أهل بيت العصمة.
و هو كالنسخ، له معنى باطل و مستحيل على اللّه تعالى، و هو عبارة عن نشأة رأي جديد. هذا المعنى مستحيل على اللّه، و لا تصحّ نسبته إليه تعالى شأنه.
و له معنى آخر، هو معقول، عبارة عن ظهور أمر بعد خفائه على الناس. كان يعلم به اللّه منذ الأزل، و قدّره كذلك منذ البدء، و لكن لمصلحة في التكليف أخفاه ثمّ أبداه لوقته. كما في مسألة النسخ، كان الأمد (أمد التكليف) معلوما للّه و مقدّرا من البدء، سوى أنّ الناس حسبوا دوامه و استمراره استنادا إلى ظهور اللفظ في الدوام، ما لم يأت ناسخ.
و هكذا الأجل في مسألة البداء، له ظاهر يعلمه أُولوا البصائر في أسرار الوجود، و له واقع يعلمه علّام الغيوب، فَيُبديه لوقته وَفق حكمته.
فالبداء من البدوّ، أي الظهور، إنّما يحصل للناس، و كانت نسبته إلى اللّه مجازا بالمناسبة؛ لأنّه الذي يُظهره لهم. و تشبيه في التعبير، كأنّه بدا للّه، و هو في الحقيقة إبداء منه تعالى. و إليك من دلائل الكتاب ما يدلّك على هذه الحقيقة، مشفوعة بنبذ من كلمات الأئمّة الأطهار.
[١] -. النمل ١٧: ٢٧.
[٢] -. فصّلت ١٩: ٤١.