التمهيد في علوم القرآن - ط مؤسسه فرهنگى انتشاراتى التمهيد - المعرفت، الشيخ محمد هادي - الصفحة ٥٠٨ - التاسع حديث الرجعة
و هذا باطل لا يجري على لسان العرب؛ لأنّ الفعل لا يدخل إلّا على ما كان بغير الصفة التي انطوى اللفظ على معناها، و من خلقه اللّه ميّتا لا يقال له: أماته، و إنّما يقال ذلك فيمن طرأ عليه الموت بعد الحياة[١]؛ و لذلك لا يقال: جعله اللّه ميّتا إلّا بعد ما كان حيّا. و هذا بيّن.
قال: و قد زعم بعضهم أنّ المراد بقوله: «أَمَتَّنَا اثْنَتَيْنِ» الموتة التي تكون بعد حياتهم في القبور للمسائلة، فتكون الأُولى قبل الإحياء و الثانية بعده.
و هذا أيضا باطل من وجه آخر، و هو: أنّ الحياة للمسائلة ليست لتكليف فيندم الإنسان على ما فاته في حياته، و ندم القوم على ما فاتهم في حياتهم مرّتين، يدلّ على أنّه لم يرد حياة المسائلة، لكنّه أراد حياة الرجعة التي يكون لتكليفهم الندم على تفريطهم، فلم يفعلوا فيندمون يوم العرض على ما فاتهم من ذلك[٢].
*** و سئل السيّد المرتضى علم الهدى عن حقيقة الرجعة؛ لأنّ شذاذ الإماميّة يذهبون إلى أنّ الرجعة رجوع دولتهم في أيّام القائم عليه السلام، من دون رجوع أجسامهم.
فأجاب قدسسره بأنّ الذي تذهب الشيعة الإماميّة إليه: أنّ اللّه يعيد عند ظهور إمام الزمان المهديّ عليه السلام قوما ممّن كان قد تقدّم موته من شيعته، ليفوزوا بثواب نصرته و معونته و مشاهدة دولته، و يعيد أيضا قوما من أعدائه لينتقم منهم، فيلتذّوا بما يشاهدون من ظهور الحقّ و علوّ كلمة أهله.
و الدلالة على صحّة هذا المذهب أنّ الذي ذهبوا إليه بما لا شبهة على عاقل في أنّه مقدور للّه تعالى غير مستحيل في نفسه، فإنّا نرى كثيرا من مخالفينا ينكرون الرجعة إنكار من يراها مستحيلة غير مقدورة.
و إذا ثبت جواز الرجعة و دخولها تحت المقدور، فالطريق إلى إثباتها إجماع الإماميّة على وقوعها، فإنّهم لا يختلفون في ذلك، و إجماعهم قد بيّنّا في مواضع من كتبنا أنّه حجّة.
[١] -. أمّا قوله تعالى:« وَ كُنْتُمْ أَمْواتاً فَأَحْياكُمْ»، فلأنّ الميّت يصدق على ما لا حراك فيه و لا حياة منذ البداية، نظير الموات من الأرضين.
[٢] -. المسائل السرويّة ضمن رسائل المفيد، ج ٧، ص ٣٢- ٣٦ رقم ٣.