التمهيد في علوم القرآن - ط مؤسسه فرهنگى انتشاراتى التمهيد - المعرفت، الشيخ محمد هادي - الصفحة ٥٠ - صلاحية المفسر
يعتبر حقيقة قوله تعالى: «لِيَدَّبَّرُوا آياتِهِ وَ لِيَتَذَكَّرَ أُولُوا الْأَلْبابِ».
قال: و الواجب أن يبيّن أوّلًا ما ينطوي عليه القرآن، و ما يحتاج إليه من العلوم، فنقول و باللّه التوفيق:
إنّ جميع شرائط الإيمان و الإسلام التي دعينا إليها و اشتمل القرآن عليها ضربان: علم غايته الاعتقاد، و هو الإيمان باللّه و ملائكته و كتبه و رسله و اليوم الآخر. و علم غايته العمل، و هو معرفة أحكام الدين و العمل بها.
و العلم مبدأ، و العمل تمام. و لا يتمّ العلم من دون عمل، و لا يخلص العمل دون العلم؛ و لذلك لم يُفرد تعالى أحدهما من الآخر في عامّة القرآن، نحو قوله: «وَ مَنْ يُؤْمِنْ بِاللَّهِ وَ يَعْمَلْ صالِحاً»[١]، «وَ مَنْ عَمِلَ صالِحاً مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثى وَ هُوَ مُؤْمِنٌ»[٢]. «الَّذِينَ آمَنُوا وَ عَمِلُوا الصَّالِحاتِ طُوبى لَهُمْ وَ حُسْنُ مَآبٍ»[٣].
و لا يمكن تحصيل هذين (العلم و العمل) إلّا بعلوم لفظيّة، و عقليّة، و موهبيّة:
فالأوّل: معرفة الألفاظ، و هو علم اللغة.
و الثاني: مناسبة بعض الألفاظ إلى بعض، و هو علم الاشتقاق.
و الثالث: معرفة أحكام ما يعرض الألفاظ من الأبنية و التصاريف و الإعراب، و هو النحو.
و الرابع: ما يتعلّق بذات التنزيل، و هو معرفة القراءات.
و الخامس: ما يتعلّق بالأسباب التي نزلت عندها الآيات، و شرح الأقاصيص التي تنطوي عليها السور، من ذكر الأنبياء عليهم السلام و القرون الماضية، و هو علم الآثار و الأخبار.
و السادس: ذكر السنن المنقولة عن النبيّ صلى الله عليه و آله و سلم و عمّن شهد الوحي، و ما اتّفقوا عليه و ما اختلفوا فيه، ممّا هو بيان لمجمل، أو تفسير لمبهم المنبأ عنه بقوله تعالى:
«وَ أَنْزَلْنا إِلَيْكَ الذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ ما نُزِّلَ إِلَيْهِمْ»[٤] و بقوله: «أُولئِكَ الَّذِينَ هَدَى اللَّهُ فَبِهُداهُمُ
[١] -. التغابن ٩: ٦٤.
[٢] -. غافر ٤٠: ٤٠.
[٣] -. الرعد ٢٩: ١٣.
[٤] -. النحل ٤٤: ١٦.