التمهيد في علوم القرآن - ط مؤسسه فرهنگى انتشاراتى التمهيد - المعرفت، الشيخ محمد هادي - الصفحة ٤٦٦ - الخامس تحريم الخمر
الخامس: تحريم الخمر
لم ترد آية في المنع عن شرب الخمر، بلفظ التحريم صريحا، و إنّما هو أمر بالاجتناب عنه أو ممّا ينبغي الانتهاء منه، ممّا هو ظاهر في الإرشاد إلى حكم العقل محضا، الأمر الذي قد يوهم أنّها غير محرّمة في شريعة الإسلام!
و من ثَمّ سأل المهديُ العبّاسيُ الإمام موسى بن جعفر عليه السلام عن ذلك، قال: هل هي محرّمة في كتاب اللّه عزّ و جلّ، فإنّ الناس إنّما يعرفون النهي عنها و لايعرفون التحريم لها؟
فقال له الإمام عليه السلام: بل هي محرّمة في كتاب اللّه، يا أمير المؤمنين.
قال: في أيّ موضع هي محرّمة في كتاب اللّه، يا أبا الحسن؟
فقال: في قول اللّه عزّ و جلّ: «قُلْ إِنَّما حَرَّمَ رَبِّيَ الْفَواحِشَ ما ظَهَرَ مِنْها وَ ما بَطَنَ وَ الْإِثْمَ وَ الْبَغْيَ بِغَيْرِ الْحَقِّ ...»[١].
قال عليه السلام: أمّا «ما ظَهَرَ» فهو الزّنَى المُعلَن، و نصب الرايات التي كانت ترفعها الفواجر للفواحش في الجاهليّة، و أمّا «ما بَطَنَ» فيعني ما نُكح من الآباء، لأنّ الناس قبل البعثة إذا كان للرجل زوجة و مات عنها، تزوّجها ابنُه من بعده إذا لم تكن أُمّه.
قال: و أمّا «الْإِثْمَ» فإنّها الخمرة بعينها. و قد قال تعالى في موضع آخر: «يَسْئَلُونَكَ عَنِ الْخَمْرِ وَ الْمَيْسِرِ قُلْ فِيهِما إِثْمٌ كَبِيرٌ وَ مَنافِعُ لِلنَّاسِ وَ إِثْمُهُما أَكْبَرُ مِنْ نَفْعِهِما ...»[٢].
فالتفت المهديّ إلى عليّ بن يقطين- و كان حاضر المجلس و من وزرائه- و قال: يا عليّ، هذه واللّه فتوًى هاشميّة! فقال ابن يقطين: صدقت واللّه يا أمير المؤمنين، الحمد للّه الذي لم يُخرج هذا العلم منكم أهل البيت، فما صبر المهديّ أن قال: صدقت يا رافضيّ، و كان يعرف منه الولاء لآل البيت[٣].
و بهذه المقارنة الدقيقة بين آيتين قرآنيّتين يُعرف التحريم صريحا في كتاب اللّه، الأمر الذي أُعجب المهديّ العبّاسيّ، و استعظم هذا التنبّه الرقيق و الذكاء المُرهَف الذي حظي به
[١] -. الأعراف ٣٣: ٧.
[٢] -. البقرة ٢١٩: ٢.
[٣] -. الكافي، ج ٦، ص ٤٠٦.