التمهيد في علوم القرآن - ط مؤسسه فرهنگى انتشاراتى التمهيد - المعرفت، الشيخ محمد هادي - الصفحة ٤٦٠ - الثاني آية قصر الصلاة
و روى أبو جعفر الصدوق بإسناده الصحيح عن زرارة و محمّد بن مسلم، إنّهما قالا:
قلنا للإمام أبي جعفر الباقر عليه السلام: ما تقول في الصلاة في السفر، كيف هي، و كم هي؟
فقال: إن اللّه- عزّ و جلّ- يقول: «وَ إِذا ضَرَبْتُمْ فِي الْأَرْضِ فَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُناحٌ أَنْ تَقْصُرُوا مِنَ الصَّلاةِ»[١] فصار التقصير في السفر واجبا كوجوب التمام في الحضر.
قالا: قلنا: إنما قال اللّه- عزّ و جلّ-: «فَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُناحٌ» و لم يقل: افعلوا، فكيف أوجب ذلك كما أوجب التمام في الحضر؟
فقال عليه السلام: أو ليس قد قال اللّه- عزّ و جلّ-: «إِنَّ الصَّفا وَ الْمَرْوَةَ مِنْ شَعائِرِ اللَّهِ فَمَنْ حَجَّ الْبَيْتَ أَوِ اعْتَمَرَ فَلا جُناحَ عَلَيْهِ أَنْ يَطَّوَّفَ بِهِما»[٢]، ألا ترون أنّ الطواف بهما واجب مفروض؛ لأنّ اللّه- عزّجلّ- ذكره في كتابه و صنعه نبيّه عليه السلام، و كذلك التقصير في السفر شيء صنعه رسول اللّه صلى الله عليه و آله و سلم، و ذكره اللّه تعالى ذكرهُ في كتابه.
قالا: قلنا له: فمن صلّى في السفر أربعا أ يُعيد أم لا؟
قال: إن كان قد قُرئت عليه آية التقصير و فُسّرت له، فصلّى أربعا أعاد، و إن لم يكن قرئت عليه و لم يعلمها فلا إعادة عليه. و الصلاة كلّها في السفر، الفريضة ركعتان كلّ صلاة، إلّا صلاة المغرب، فإنّها ثلاث ليس فيها تقصير، تركها رسول اللّه صلى الله عليه و آله و سلم في السفر و الحضر ثلاث ركعات. و قد سافر رسول اللّه صلى الله عليه و آله و سلم إلى ذي خُشُب[٣]- و هي مسيرة يوم من المدينة، يكون إليها بريدان: أربعة و عشرون ميلًا- فقصّر و أفطر؛ فصارت سنّة، و قد سمّى رسول اللّه صلى الله عليه و آله و سلم قوما صاموا حين أفطر العُصاة.
قال: فهم العصاة إلى يوم القيامة، و إنّا لنعرف أبناءهم و أبناء أبنائهم إلى يومنا هذا[٤].
*** و هذا الحديث- على طوله- مشتمل على فوائد جمّة:
[١] -. النساء ١٠١: ٤.
[٢] -. البقرة ١٥٨: ٢.
[٣] -. قال ياقوت الحمويّ: بضمّ أوّله و ثانيه، وادٍ على مسيرة ليلة من المدينة معجم البلدان، ج ٢، ص ٣٧٢.
[٤] -. من لا يحضره الفقيه، ج ١، ص ٢٧٨- ٢٧٩، رقم ١٢٦٦.