التمهيد في علوم القرآن - ط مؤسسه فرهنگى انتشاراتى التمهيد - المعرفت، الشيخ محمد هادي - الصفحة ٤٥٤ - أ) مسح الرأس
الامتثال، و هو ما يسمّى مسحا في اللّغة، و لا يتحقّق إلّا بحركة العضو الماسح ملصقا بالممسوح، فلفظ الآية ليس من المجمل[١].
و هكذا استدلّ الإمام عليه السلام لعدم وجوب استيعاب الوجه و اليدين في مسحات التيمّم بدخول «الباء»، في قوله تعالى: «فَامْسَحُوا بِوُجُوهِكُمْ وَ أَيْدِيكُمْ مِنْهُ»[٢]، إذ لم يقل: امسحوا وجوهكم و أيديكم، لئلّا يفيد الاستيعاب فيهما.
*** و لم يحتمل محمّد بن إدريس الشافعيّ في آية الوضوء «وَ امْسَحُوا بِرُؤُسِكُمْ» غير هذا المعنى، أي المسح لبعض الرأس. قال: «وكان معقولًا في الآية أنّ مَن مسح من رأسه شيئا فقد مسح برأسه، و لم تحتمل الآية إلّا هذا، و هو أظهر معانيها، أو مسح الرأس كلّه.
قال: و دلّت السنّة على أن ليس على المرء مسح رأسه كلّه. و إذا دلّت السنّة على ذلك، فمعنى الآية: أنّ من مسح شيئا من رأسه أجزأه»[٣].
و زاد- في الأمّ- «إذا مسح الرجُل بأيّ رأسه شاء إن كان لا شعر عليه، و بأيّ شعر رأسه، بأصبع واحدة أو بعض أصبع أو بطن كفّه، أو أَمَرَ من يمسح به أجزأه ذلك. فكذلك إن مسح نزعتيه أو إحداهما أو بعضهما أجزأه؛ لأنّه من رأسه»[٤].
و قد بيّن وجه المعقوليّة في الآية بقوله: «لأنّه معلوم أنّ هذه الأدوات موضوعة لإفادة المعاني، فمتى أمكننا استعمالها على فوائد مُضمَّنة بها وجب استعمالها على ذلك، و إن كان قد يجوز وقوعها صلة للكلام و تكون ملغاةً. لكن متى أمكننا استعمالها على وجه الفائدة، لم يجز لنا إلغاؤها، و من أجل ذلك قلنا: إنّ الباء في «الآية» للتبعيض. و يدلّ على ذلك أنّك إذا قلت: مسحت يدي بالحائط كان معقولًا مسحها ببعضه دون جميعه، و لو قلت: مسحت الحائط كان المعقول مسحه جميعه دون بعضه. فقد وضح الفرق بين إدخال
[١] -. المنار، ج ٦، ص ٢٢٦- ٢٢٧.
[٢] -. المائدة ٦: ٥.
[٣] -. أحكام القرآن للشافعيّ، .. جمع و ترتيب أبي بكر البيهقيّ صاحب السنن، ج ١، ص ٤٤.
[٤] -. الأمّ للشافعيّ، ج ١، ص ٤١.