التمهيد في علوم القرآن - ط مؤسسه فرهنگى انتشاراتى التمهيد - المعرفت، الشيخ محمد هادي - الصفحة ٤٥٣ - أ) مسح الرأس
التكليف هو حصول ربط المسح بالرأس، الذي يتحقّق بأوّل إمرار اليد المبتلّة بأوّل جزء من أجزاء الرأس؛ إذ حين وضع اليد على مقدّم الرأس- مثلًا- و إمرارها، يحصل ربط المسح بالرأس، و عنده يسقط التكليف؛ لأنّ المكلّف به قد حصل بذلك. و لا تعدّد في الامتثال، كما قُررّ في الاصول.
فكانت زيادة «الباء» هيالتي دلّتنا على هذه الدقيقة في شريعة المسح، بعد ورود القول به من رسول اللّه صلى الله عليه و آله و سلم. فيا له من استنباط رائع مستند إلى دقائق الكلام.
هذا، و غير خفي أنّ هذه الاستفادة الكلاميّة لا تعني استعمال الباء في معنى التبعيض- كما وهمه البعض- بل إنّ بُنية الكلام و تركيبه الخاصّ (بزيادة ما لا لزوم فيه ظاهرا) هو الذي أفاد هذا المعنى، أي كفاية مسح بعض الرأس. فالتبعيض في الممسوح مستفاد من جملة الكلام لا من خصوص الباء؛ إذ ليس التبعيض من معاني الباء ألبتّة، فلا موضع لما نازع بعضهم في كون الباء تفيد التبعيض.
قال الشيخ محمّد عبدُه: و نازع بعضهم في كون الباء تفيد التبعيض، قيل: مطلقا، و قيل:
استقلالًا. و إنّما تُفيده مع معنى الإلصاق، و لا يظهر معنى كونها زائدة ..
و التحقيق أنّ معنى الباء: الإلصاق لا التبعيض أو الآلة، و إنّما العبرة بما يفهمه العربيّ من: مسح بكذا أو مسح كذا، فهو يفهم من: مسح رأسَ اليتيم أو على رأسه، و مسح بعنق الفرس أو ساقه أو بالركن أو الحجر، أنّه أمرّ يده عليه. لا يتقيّد ذلك بمجموع الكفّ الماسح، و لا بكلّ أجزاء الرأس أو العنق أو الساق أو الركن أو الحجر الممسوح. فهذا ما يفهمه كلّ من له حظّ من هذه اللغة، ممّا ذكر، و من قوله تعالى: «فَطَفِقَ مَسْحاً بِالسُّوقِ وَ الْأَعْناقِ»[١]- علىالقول الراجح المختار أنّ المسح باليد لا بالسيف- و من مثل قول الشاعر:
|
ولمّا قضينا من منى كلّ حاجة |
ومسّح بالأركان من هو ماسح |
|
و أخيرا ينتهي إلى القول بأنّ ظاهر الآية الكريمة أنّ مسح بعض الرأس يكفي في
[١] -. ص ٣٣: ٣٨.