التمهيد في علوم القرآن - ط مؤسسه فرهنگى انتشاراتى التمهيد - المعرفت، الشيخ محمد هادي - الصفحة ٤٤٠ - الخلط في التفاسير المأثورة
انظر إلى هذا التكلّف الذي وقع فيه لتوجيه ما حسبه تفسيرا للآية، فلو أنّه أخذه تأويلًا لها مستخلصا عموم المراد من ظاهر اللفظ؛ و ذلك لعموم مناط الحكم في المراجعة و السؤال؛ لكان قد استراح بنفسه.
نعم، وردت الآية بشأن المشركين، و هم جهّال، ليسألوا أهل الكتاب؛ لأنّهم علماء.
و هذا الدستور العقلانيّ عامّ في ملاكه و مناطه، فليكن عامّا في خطابه و شموله. هكذا يستفاد العموم من اللفظ و يُستخلص الشمول من الملاك، و يسمّى ذلك تأويلًا، أي مآل الكلام في نهاية المراد.
و هكذا قوله تعالى: «قُلْ أَ رَأَيْتُمْ إِنْ أَصْبَحَ ماؤُكُمْ غَوْراً فَمَنْ يَأْتِيكُمْ بِماءٍ مَعِينٍ»[١] فقد فسّرها قوم حسبما ورد من روايات في تأويلها، فحسبوها مفسّرات. قال عليّ بن إبراهيم- بصدد تفسير الآيه-: أ رأيتم إن أصبح إمامكم غائبا فمن يأتيكم بإمام مثله، و اكتفى بذلك.
و استشهد بحديث الرضا عليه السلام سئل عن هذه الآية، فقال: ماؤكم: أبوابكم، أي الأئمّة عليهم السلام.
و الأئمّة أبواب اللّه بينه و بين خلقه، «فَمَنْ يَأْتِيكُمْ بِماءٍ مَعِينٍ»، يعني بعلم الإمام[٢].
و كناية «الماء المعين» عن العلم الصافي عن أكدار الشبهات، أمر معروف، قال تعالى:
«وَ أَنْ لَوِ اسْتَقامُوا عَلَى الطَّرِيقَةِ لَأَسْقَيْناهُمْ ماءً غَدَقاً»[٣]. و هكذا جاء في تفسير الصافي للمولى محسن الفيض[٤].
غير أنّ ذلك تأويل للآية و ليس تفسيرا لها؛ حيث أخذ «الماء» في مفهومه الأعمّ من الحقيقيّ و الكنائيّ، أي فيما يورث الحياة و يوجب تداومها و بقاءها، إن مادّيّا أو معنويّا، ليشمل الماء الزلال و العلم الصافي جميعا، و بهذا المعنى العامّ يشمل كلا الأمرين.
فاستخلاص مثل هذا العموم من لفظ الآية، يُعتبر تأويلًا لها.
و في رواية الصدوق- في الإكمال- تصريح بذلك؛ حيث سئل الإمام موسى بن جعفر عليه السلام عن تأويل هذه الآية بالذات، فقال: إذا فقدتم إمامكم فلم تروه فماذا
[١] -. الملك ٣٠: ٦٧.
[٢] -. تفسير القمّيّ، ج ٢، ص ٣٧٩.
[٣] -. الجنّ ١٦: ٧٢.
[٤] -. تفسير الصافي، ج ٢، ص ٧٢٧.