التمهيد في علوم القرآن - ط مؤسسه فرهنگى انتشاراتى التمهيد - المعرفت، الشيخ محمد هادي - الصفحة ٣٩٩ - ١٧ ورقاء بن عمر
قلت: أ ترى مثل شعبة- و هو أمير العلم و اليقين- يترك مذهبا كان قد أتقنه، لقولة قالها الأوساط؟!
يقول أبو داود الطيالسيّ: كنّا عند شعبة بن الحجّاج في البيت، و جِرابٌ معلَّق[١]. فالتفتُّ فإذا هو في السقف. فقال: ترون ذلك الجِراب؟ واللّه لقد كتبت فيه عن الحَكم بن عُتيبة، عن عبد الرحمان بن أبي ليلى، عن عليّ عليه السلام عن النبيّ صلى الله عليه و آله و سلم لو حدّثتكم به لرقصتم![٢]
قلت: ولِمَ هذا الاعتناء بشأن روايات أسندها عن عليّ بالذات، من أحاديث الرسول؟! و ما كانت مضامينها التي كان سماعها يوجب الهزّة في النفس، و البهجة في الروح؟!
نعم، إنّما كانت ممّا يجب إخفاؤها عن أعين الجُهَلاء! الامر الذي يؤكّد على منهجه الخاصّ بعيدا عن مسيرة العامّة. هذا و لا سيّما و هو تربية الكوفة معهد الحضارة و الولاء لآل بيت الرسول!
و هناك رواية له عن سِماك، عن عبيدة السلمانيّ، عن الإمام أمير المؤمنين عليه السلام بشأن العول في الميراث، أفتى بما تراه العامّة من حصول النقص على الزوجة، فيما إذا مات رجل و ترك ابنتيه و أبويه و زوجة؟ قال عليه السلام: صار ثُمن المرأة تُسعا! قال سِماك: قلت لعبيدة: و كيف ذلك؟ فأجابه بأنّه خلاف ما يراه الإمام من عدم العول و عدم نقص في سهم المرأة. و أضاف: الحقّ هو ما يراه الإمام، و إن أباه قومنا- يعني بهم العامّه-[٣].
فتبادل مثل هذا الكلام بين عُبيدة و سماك. و رواية شعبة لهذا الحوار، لدليل لائح على مواضعهم من الإمام، الذي كان الحقّ يدور معه حيثما دار، كما نوّه به الرسول الكريم صلى الله عليه و آله و سلم فتدبّر جيّدا.
١٧. ورقاء بن عُمَر
هو ابن كُليب أبو بشر اليشكريّ الكوفيّ، نزيل المدائن، أصله من مَرْو، و قيل: خوارزم
[١] -. الجِراب- بكسر الجيم-: وعاء من جلد.
[٢] -. تاريخ بغداد، ج ٩، ص ٢٦٠.
[٣] -. راجع: تهذيب الأحكام، ج ٩، ص ٢٥٩.