التمهيد في علوم القرآن - ط مؤسسه فرهنگى انتشاراتى التمهيد - المعرفت، الشيخ محمد هادي - الصفحة ٣٨ - مزاعم في التأويل
فصول. و الآية ناطقة بأنّ هذا التفصيل المشاهد في القرآن، إنّما طرأ عليه بعد كونه محكَما غير مفصَّل، و أوضح منه قوله تعالى: «حم وَ الْكِتابِ الْمُبِينِ إِنَّا جَعَلْناهُ قُرْآناً عَرَبِيًّا لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ وَ إِنَّهُ فِي أُمِّ الْكِتابِ لَدَيْنا لَعَلِيٌّ حَكِيمٌ»[١] فإنّه ظاهر في أنّ هناك كتابا مبينا عرض عليه جعله مقروّا عربيّا، و إنّما أُلبس لباس القراءة و العربيّة ليعقله الناس، و إلّا فإنّه في امّ الكتاب، عند اللّه عليّ لا يصعد إليه العقول، حكيم لا يوجد فيه فصل فصل. فالكتاب المبين الذي هو أصل القرآن و حكمه الخالي عن التفصيل أمر وراء هذا المُنزَل و إنّما هذا بمنزلة اللباس لذاك»[٢].
ثمّ أحال تمام الكلام إلى بيانه الآتي حول آية المتشابهات، قال هناك:
«الحقّ في تفسير التأويل أنّه الحقيقة الواقعيّة التي تستند إليها البيانات القرآنيّة، و أنّه موجود لجميع الآيات، و أنّه ليس من قبيل المفاهيم بل من الامور العينيّة المتعالية من أن يحيط بها شبكات الألفاظ، و إنّما قيّدها اللّه بقيد الألفاظ لتقريبها من أذهاننا، قال تعالى:
«إِنَّا جَعَلْناهُ قُرْآناً عَرَبِيًّا لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ وَ إِنَّهُ فِي أُمِّ الْكِتابِ لَدَيْنا لَعَلِيٌّ حَكِيمٌ»[٣] و في القرآن تصريحات و تلويحات بهذا المعنى»[٤].
*** و بعد، فلنتساءل: ما هو السبب الداعي لفرض وجودين للقرآن الكريم: وجودا لديه تعالى في كتاب مكنون، لا يمسّه إلّا المطهّرون، عاريا عن التجزئة و التفصيل، متعاليا عن شبكات الألفاظ و العبارات؛ و وجودا أرضيّا نزل تدريجيّا لهداية الناس، و أُلبس لباس العربيّة لعلّهم يعقلونه؟!
و لعلّه للنظر إلى قوله تعالى: «شَهْرُ رَمَضانَ الَّذِي أُنْزِلَ فِيهِ الْقُرْآنُ ...»[٥] و قوله: «حم وَ الْكِتابِ الْمُبِينِ إِنَّا أَنْزَلْناهُ فِي لَيْلَةٍ مُبارَكَةٍ إِنَّا كُنَّا مُنْذِرِينَ فِيها يُفْرَقُ كُلُّ أَمْرٍ حَكِيمٍ أَمْراً مِنْ
[١] -. الزخرف ٤: ٤٣.
[٢] -. الميزان، ج ٢، ص ١٤- ١٦.
[٣] -. الزخرف ٤: ٤٣.
[٤] -. الميزان، ج ٣، ص ٤٩.
[٥] -. البقرة ١٨٥: ٢.