التمهيد في علوم القرآن - ط مؤسسه فرهنگى انتشاراتى التمهيد - المعرفت، الشيخ محمد هادي - الصفحة ٣٧٤ - ميزات تفسير التابعي
الأنبياء عليهم السلام زعمهم أنّ زكريّا عليه السلام اشتبه عليه وحي الملائكة و نداؤهم، بوحي الشياطين؛ و لذلك سأل سؤال التعجّب، ثمّ طلب آيةً للتثبّت. روى ابن جرير فيما روى: أنّ الشيطان هو الذي شكّكه في نداء الملائكة، و قال له: إنّه من الشيطان.
قال: و لولا الجُنُون[١] بالروايات مهما هزلت و سمجت، لما كان لمؤمن أن يكتب مثل هذا الهزء و السخف الذي ينبذه العقل، و ليس في الكتاب ما يشير إليه. و لو لم يكن لمن يروي مثل هذا إلّا هذا، لكفى في جرحه، و أن يُضرب بروايته على وجهه. فعفا اللّه عن ابن جرير؛ إذ جعل هذه الرواية ممّا يُنشَر.
ثمّ فسّر الآية وَفق ما فسّرها أبو مسلم: «قالَ رَبِّ اجْعَلْ لِي آيَةً»، أي علامة تتقدّم هذه العناية و تؤذن بها «قالَ آيَتُكَ أن لا تُكَلِّمَ النَّاسَ ...»، أي تترك ذلك مختارا لتفرغ لعبادة اللّه[٢].
*** و هكذا في قصّة إبراهيم الخليل و الطيور الأربعة: «قالَ فَخُذْ أَرْبَعَةً مِنَ الطَّيْرِ فَصُرْهُنَّ إِلَيْكَ ثُمَّ اجْعَلْ عَلى كُلِّ جَبَلٍ مِنْهُنَّ جُزْءاً ثُمَّ ادْعُهُنَّ يَأْتِينَكَ سَعْياً»[٣].
قال الرازيّ: أجمع أهل التفسير على أنّ المراد: قطّعهن، غير أبي مسلم فإنّه أنكر ذلك، و قال: إنّ إبراهيم عليه السلام لمّا طلب إحياء الميّت من اللّه تعالى أراه اللّه مثالًا قرّب إليه الأمر، و المراد ب- «فَصُرْهُنَّ إِلَيْكَ»: الإمالة و التمرين على الإجابة، أي فعوّد الطيور الأربعة أن تصير بحيث إذا دعوتها أجابتك و أتتك، فإذا صارت كذلك فاجعل على كلّ جبل واحدا حال حياته ثمّ ادعهنّ يأتينك سعيا. و الغرض منه ذكر مثال محسوس في عَود الأرواح إلى الأجساد على سبيل السهولة. و أنكر القول بأنّ المراد منه: فقطّعهنّ.
[١] -. أي الشغف بجمع الأخبار مهما كان نمطها.
[٢] -. المنار، ج ٣، ص ٢٩٨- ٢٩٩. و لسيّدنا العلّامة الطباطبائيّ هنا كلام غريب رجّح رأي سائر المفسّرين و جوّز اشتباه الأمر على الأنبياء لولا عنايته تعالى برفعه منهم هو عجيب منه راجع: الميزان، ج ٣، ص ١٩٤.
[٣] -. البقرة ٢٦٠: ٢.