التمهيد في علوم القرآن - ط مؤسسه فرهنگى انتشاراتى التمهيد - المعرفت، الشيخ محمد هادي - الصفحة ٣٧ - مزاعم في التأويل
المذكور؛ لأمكننا مرافقته.
لكنّه توسّع في ذلك، و فرض من تأويل آي القرآن كلّها أمرا بسيطا ذا إحكام رصين، ليس فيه شيء من هذه التجزئة و التفصيل الموجود في القرآن الحاضر الذي يتداوله المسلمون منذ أوّل يومهم فإلى ما لا نهاية، فإنّ ذاك عارٍ عن كونه آية آية و سورة سورة، وجودا واحدا بسيطا صرفا، مستقرّا في محلّ أرفع، في كتاب مكنون لا يمسّه إلّا المطهّرون.
و فرض من القرآن ذا وجودين: وجودا ظاهريّا يتشكّل في ألفاظ و عبارات ذوات مفاهيم معروفة، و هو الذي يُتلى و يُقرأ و يُدرس، و يتداوله الناس حسبما ألِفوه طوال عهد الإسلام.
و وجودا آخر باطنيّا، هو وجوده الحقيقيّ الأصيل، المترفّع عن أن تناله العقول و الأحلام، فضلًا عن الأوهام، و ذلك الوجود الحقيقيّ الرفيع هو تأويل القرآن، أي أصله و مرجعه الأصيل.
قال- بصدد بيان نزول القرآن دفعة واحدة في ليلة القدر من شهر رمضان، و أنّه لم يكن هذا القرآن المتلوّ الذي بأيدي الناس، فإنّه نزل تدريجا بلا ريب-:
«و الذي يعطيه التدبّر في آيات الكتاب أمر آخر، فإنّ الآيات الناطقة بنزول القرآن في شهر رمضان أو في ليلة القدر إنّما عبّرت عن ذلك بلفظ الإنزال الدالّ على الدفعة، دون التنزيل، و اعتبار الدفعة إمّا بلحاظ المجموع أو البعض، و إمّا لكون الكتاب ذا حقيقة اخرى وراء ما نفهمه بالفهم العاديّ، الذي يقضي فيه بالتفرّق و التفصيل و الانبساط و التدريج، هو المصحَّح لكونه واحدا غير تدريجيّ و نازلًا بالإنزال دون التنزيل؛ و هذا هو اللائح من الآيات الكريمة: «كِتابٌ أُحْكِمَتْ آياتُهُ ثُمَّ فُصِّلَتْ»[١] فإنّ هذا الإحكام مقابل التفصيل، و التفصيل هو جعله فصلًا فصلًا و قطعة قطعة؛ فالإحكام كونه بحيث لا يتفصّل فيه جزء من جزء، و لا يتميّز بعض من بعض؛ لرجوعه إلى معنى واحد لا أجزاء فيه و لا
[١] -. هود ١: ١١.