التمهيد في علوم القرآن - ط مؤسسه فرهنگى انتشاراتى التمهيد - المعرفت، الشيخ محمد هادي - الصفحة ٣٥ - مزاعم في التأويل
موطنها خارج الأذهان و العبارات.
إنّه رحمه الله تعرّض لكلام ابن تيميّة، فصحّحه من جهة، و خطّأه من جهة اخرى؛ صحّحه من جهة قوله: بشمول التأويل لجميع آي القرآن، محكمه و متشابهه، و قوله: بأنّه خارج الأذهان و العبارات. لكن خطّأه في حصره للتأويل في العين الخارجيّة البحت، فإنّه مصداق و ليس بتأويل. إنّما التأويل حقائق راهنة، هي مصالح واقعيّة و أهداف و غايات مقصودة من وراء التكاليف و الأحكام، و كذا الحِكَم و المواعظ و الآداب، و حتّى القصص و الأخبار و الآثار التي جاءت في القرآن. قال- مناقشا لرأي ابن تيميّه-:
«إنّه و إن أصاب في بعض كلامه، لكنّه أخطأ في بعضه الآخر. إنّه أصاب في القول: بأنّ التأويل لا يختصّ بالمتشابه، بل هو عامّ لجميع القرآن، و كذا القول: بأنّ التأويل ليس من سنخ المدلول اللفظيّ، بل هو أمر خارجيّ يُبتنى عليه الكلام. لكنّه أخطأ في عدّ كلّ أمر خارجيّ مرتبط بمضمون الكلام- حتّى مصاديق الأخبار الحاكية عن الحوادث الماضية و المستقبله- تأويلًا للكلام»[١].
ثمّ قال: «الحقّ في تفسير التأويل أنّه الحقيقة الواقعيّة التي تستند إليها البيانات القرآنيّة، من حُكم أو موعظة أو حكمة، و أنّه موجود لجميع الآيات القرآنيّة محكمها و متشابهها، و أنّه ليس من قبيل المفاهيم المدلول عليها بالألفاظ، بل هي من الامور العينيّة المتعالية من أن يحيط بها شبكات الألفاظ. و إنّما قيّدها اللّه سبحانه بقيد الألفاظ لتقريبها من أذهاننا بعض التقريب، فهي كالأمثال تُضرب ليقرَّب بها المقاصد و توضَّح، بحسب ما يناسب فهم السامع، كما قال تعالى: «وَ الْكِتابِ الْمُبِينِ إِنَّا جَعَلْناهُ قُرْآناً عَرَبِيًّا لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ وَ إِنَّهُ فِي أُمِّ الْكِتابِ لَدَيْنا لَعَلِيٌّ حَكِيمٌ»»[٢].
و قال- في شرح الآيه-:
«إنّ هناك كتابا مبينا عرض عليه جعله مقروّا عربيّا، و إنّما أُلبس لباس القراءة
[١] -. الميزان للطباطبائيّ، ج ٣، ص ٤٨.
[٢] -. المصدر نفسه، ص ٤٩، الزخرف ٢: ٤٣- ٤.