التمهيد في علوم القرآن - ط مؤسسه فرهنگى انتشاراتى التمهيد - المعرفت، الشيخ محمد هادي - الصفحة ٣٢١ - ٩ الحسن البصري
الجمل فيه) ناداني منادٍ: ارجع يا حسن، فإنّ القاتل و المقتول في النار. فقال عليّ:
صدقت، ذاك أخوك إبليس، إنّ القاتل و المقتول منهم في النار[١].
و هكذا أرسل القطب الراونديّ: أنّ عليّا عليه السلام قال له: أسبغ طهورك يا لفتي[٢]، فقال: لقد قتلت بالأمس رجالًا كانوا يُسبغون الوضوء! قال عليه السلام: و إنّك لحزين عليهم؟ قال: نعم.
فقال: فأطال اللّه حُزنك. قالوا: فما رأينا الحسن قطّ إلّا حزينا، كأنّه يرجع عن دفن حميم، أو خَربَندَج ضلّ حماره. فقيل له في ذلك، فقال: عُمل فيّ دعوة الرجل الصالح![٣].
و ذكر ابن أبي الحديد فيمن كان يبغض عليّا عليه السلام الحسن البصريّ، قال: روى عنه حمّاد أنّه قال: لو كان عليٌّ يأكل الحَشَف[٤] بالمدينة لكان خيرا له ممّا دخل فيه. و رووا عنه أنّه كان من المخذّلين عن نصرته. و رُوي عنه أنّ عليّا عليه السلام رآه و هو يتوضّأ- و كان ذا وسوسه- فصبّ على أعضائه ماءً كثيرا، فقال له: أَرَقْتَ ماءً كثيرا يا حسن؛ فقال: ما أراق أمير المؤمنين من دماء المسلمين أكثر! قال: أوَ ساءك ذلك؟ قال: نعم. قال: فلا زلت مُسوَّءًا.
قالوا: فما زال الحسن عابسا قاطبا مهموما إلى أن مات[٥].
هذا كلّ ما قيل بشأنه دليلًا على انحرافه عن الإمام أمير المؤمنين عليه السلام، لكنّها روايات لا أسناد لها، فضلًا عمّا بينها من تهافت و تضارب، و قد أنكرها ابن أبي الحديد بشدّة على ما سنذكر.
قلت: و لحُسْنِ الحظّ أنّ واضع هذه الروايات قد ذهب عنه أنّ الحسن- و هو غلام يافع- لم يكن له شأن ذلك اليوم، و لم يكن حاضر البصرة يوم الجمل، و لم يخرج إلى العراق بعدُ، إلّا في أيام طَعَنَ في السّنّ و كبر، أيّام عبد الملك بن مروان و ما بعده. كما يظهر من رواية الورّاق: كان جابر بن زيد رجل أهل البصرة، فلمّا ظهر الحسن جاء رجل كأنّما
[١] -. كتاب الاحتجاج المنسوب إلى الطبرسيّ؟، ج ١، ص ٢٥٠( ط نجف).
[٢] -. على وزان« قبطيّ» قيل: معناه الشيطان بالنبطيّة.
[٣] -. الخرائج و الجرائح للراونديّ، ج ٢، ص ٥٤٧، رقم ٨؛ بحار الأنوار، ج ٤١، ص ٣٠٢، رقم ٣٣ و ج ٤٢، ص ١٤٣، رقم ٥.
[٤] -. الحَشَف: أَرْدَأ التمر، أو اليابس الفاسد من التمر.
[٥] -. شرح نهج البلاغة لابن أبي الحديد، ج ٤، ص ٩٥- ٩٦.