التمهيد في علوم القرآن - ط مؤسسه فرهنگى انتشاراتى التمهيد - المعرفت، الشيخ محمد هادي - الصفحة ٣١١ - ٦ عطاء بن أبي رباح
و عن ربيعة قال: فاق عطاء أهل مكّة في الفتوى. و قال قتادة: قال لي سليمان بن هشام:
هل بمكّة أحد؟ قلت: نعم، أقدم رجل في جزيرة العرب علما! قال: من؟ قلت: عطاء بن أبي رباح، إلى غيرها من شهادات ضافية بشأنه. و أنّه من سادات التابعين فقها و علما و ورعا و فضلًا[١].
و لابن خلّكان بشأنه حكاية طريفة، قال: حكي عن وكيع، قال: قال لي أبو حنيفة النعمان بن الثابت: أخطأت في خمسة أبواب من المناسك بمكّة، فعلّمنيها حجّام! و ذلك أنّي أردت أن أحلق رأسي، فقال لي: أعربيّ أنت؟ قلت: نعم، و كنت قد قلت له: بكم تحلق رأسي؟ فقال: لا يشارَط فيه، اجلس، فجلستُ منحرفا عن القبلة، فأومأ إليّ باستقبال القبلة. و أردت أن أحلق رأسي من الجانب الأيسر، فقال: أدر شقّك الأيمن من رأسك، فأدرته. و جعل يحلق رأسي و أنا ساكت، فقال لي: كبّر، فجعلت أُكبّر، حتّى قمت لأذهب، فقال: أين تريد؟ قلت: رَحلي. فقال: صلّ ركعتين ثمّ امض. فقلت: ما ينبغي أن يكون هذا من مثل هذا الحجّام إلّا و معه علم. فقلت: من أين لك ما رأيتك أمرتني به؟ فقال: رأيت عطاء ابن أبي رباح يفعل هذا[٢]. قال: و كان أسود، أعور، أفطس، أشلّ، أعرج، ثمّ عُمي بعد ذلك. و كان مُفَلفَل الشعر. قال سليمان بن رفيع: دخلت المسجد الحرام و الناس مجتمعون على رجل، فأطلعت، فإذا عطاء بن أبي رباح جالس كأنّه غراب أسود[٣].
قال محمّد بن عبد اللّه[٤]: ما رأيت مفتيا خيرا من عطاء بن أبي رباح، إنّما كان في مجلسه ذكر اللّه لا يفتر و هم يخوضون. فإن تكلّم أو سئل عن شيء أحسن الجواب و كان يطيل الصمت، فإذا تكلّم يخيّل إلى الناس أنّه يتأيّد! و عن ابن جُرَيج: كان عطاء إذا حدّث بشيء، قلت: علمٌ أو رأيٌ؟ فإن كان أثرا قال: علمٌ، و إن كان رأيا قال: رأيٌ، و عن سلمة بن كهيل: ما رأيت أحدا يريد بهذا العلم وجه اللّه إلّا ثلاثة: عطاء، و مجاهد، و طاووس. قال
[١] -. تهذيب التهذيب، ج ٧، ص ١٩٩- ٢٠٣.
[٢] -. وفيات الأعيان، ج ٣، ص ٢٦١، رقم ٤١٩.
[٣] -. المصدر نفسه، ص ٢٦٢؛ راجع: الطبقات، ج ٥، ص ٣٤٦؛ تهذيب التهذيب، ج ٧، ص ٢٠٠.
[٤] -. الملقّب بالديباج و أُمّه فاطمة بنت الحسين عليه السلام. قتله المنصور سنة ١٤٥ ه ..