التمهيد في علوم القرآن - ط مؤسسه فرهنگى انتشاراتى التمهيد - المعرفت، الشيخ محمد هادي - الصفحة ٣٠٩ - نموذج من تفسيره
و أخرج البيهقيّ بإسناده عن رفاعة بن رافع: أنّ رسول اللّه صلى الله عليه و آله و سلم قال: «إنّها لا تتمّ صلاة أحدكم حتّى يُسبغ الوضوء كما أمره اللّه به: يغسل وجهه و يديه إلى المِرفَقين، و يمسح رأسه و رجليه إلى الكعبين»[١].
و هكذا في المسح على الخُفَّين- الذي يقول به جمهور الفقهاء- كان عكرمة ينكره أشدّ الإنكار، و يقول: «سبق الكتابُ المسح على الخُفّين»[٢]، يعني: أنّ القرآن نزل بالمسح على الأرجل، أمّا المسح على الخُفّين- على ما وردت به بعض الروايات- فأمر متأخّر عن نزول الآية، و لا دليل على نسخ الآية، رواية لم تثبت[٣].
و هذا الذي ذكره عكرمة هو الذي نقلته الأئمّة عن الإمام أمير المؤمنين عليه السلام. فقد روى أبو جعفر الطوسيّ بإسناده إلى أبي الورد، قال: قلت لأبي جعفر الباقر عليه السلام: إنّ أبا ظبيان حدّثني أنّه رأى عليّا عليه السلام أراق الماء ثمّ مسح على الخفّين! فقال: كذب أبو ظبيان[٤] أما بلغك قول عليّ عليه السلام فيكم: «سبق الكتاب الخُفّين»؟ فقلت: فهل فيهما رخصة؟ فقال: لا، إلّا من عدوّ تتّقيه، أو ثلج تخاف على رجليك[٥]. و لا شكّ أنّ ابن عبّاس كان يرى رأي الإمام الذي هو شاخص أهل البيت عليهم السلام فلا وَقْع لتكذيب عكرمة بأنّه خالف شيخه، فقد افتُري عليه كما افتُري على الإمام عليه السلام.
و عقد أبو نعيم الأصبهانيّ فصلًا من حليته[٦]، أورد فيه من تفاسير مأثورة عن عكرمة، دُررا و غُررا هي من جلائل الآثار و كرائم الأفكار، و يتبيّن منها مدى سعة علم الرجل و شموخ فكره الصائب، ينبغي مراجعتها فإنّها ممتعة جدّا.
[١] -. السنن الكبرى، ج ١، ص ٤٤، باب التسمية على الوضوء و ج ٢، ص ٣٤٥ باب من سها فترك ركنا، و هناك كامل الحديث؛ الدرّ المنثور، ج ٢، ص ٢٦٢.
[٢] -. تهذيب التهذيب، ج ٧، ص ٢٦٨.
[٣] -. ذكر أبو يوسف أنّ سنّة المسح على الخُفّين نسخت آية المسح على الأرجل أحكام القرآن للجصّاص، ج ٢، ص ٣٤٨.
[٤] -. هو حصين بن جندب الكوفيّ، مات سنة ٩٠ ه. و قد أنكروا سماعه من عليّ عليه السلام فيما يرويه عنه( تهذيب التهذيب، ج ٢، ص ٣٨٠). و لم يذكره الشيخ في أصحاب الإمام أمير المؤمنين عليه السلام.
[٥] -. وسائل الشيعة، ج ١، ص ٤٥٨، رقم ٥.
[٦] -. حلية الأولياء، ج ٣، ص ٣٢٩- ٣٤٧.