التمهيد في علوم القرآن - ط مؤسسه فرهنگى انتشاراتى التمهيد - المعرفت، الشيخ محمد هادي - الصفحة ٣٠٢ - ٥ عكرمة مولى ابن عباس
حديثا واحدا- و إنّما تركه لكلام مالك فيه (كان مالك لا يراه ثقة و يأمر أن لا يؤخذ عنه)[١].
قال: و قد تعقّب جماعة من الأئمّة ذلك، و صنّفوا في الذّبّ عن عكرمة، منهم: أبو جعفر ابن جرير الطبريّ، و محمّد بن نصر المروزيّ، و أبو عبد اللّه ابن مندة، و أبو حاتم ابن حبّان، و أبو عمرو ابن عبد البرّ، و غيرهم.
و قد لخّص ابن حجر ما قيل فيه، ثمّ عقّبه بالإجابة عليه، قائلًا: فأمّا أقوال من أوهاه، فمدارها على ثلاثة أشياء: على رميه بالكذب، و على الطّعن فيه بأنّه كان يرى رأي الخوارج، و على القدح فيه بأنّه كان يقبل جوائز الأُمراء.
قال: أمّا قبول الجوائز فجمهور أهل العلم على الجواز، و قد صنّف في ذلك ابن عبد البرّ[٢] قال: على أنّ ذلك ليس بمانع من قبول روايته، و هذا الزهريّ قد كان في ذلك أشهر من عكرمة، و مع ذلك فلم يترك أحد الرواية عنه بسبب ذلك[٣].
و أمّا تهمة البدعة فإنّها لم تثبت، و قد نفاها عنه جماعة من الأئمّة النقّاد. قال ابن أبي حاتم: سألت أبي عن عكرمة، فقال: ثقة. قلت: يُحتجّ بحديثه؟ قال: نعم، إذا روى عنه الثقات. و الذي أنكر عليه مالك، إنّما هو بسبب رأي، على أنّه لم يثبت عنه من وجه قاطع أنّه كان يرى ذلك، و إنّما كان يوافق في بعض المسائل[٤] فنسبوه إليهم. و قد برّأه أحمد و العجليّ من ذلك، فقال- في كتاب الثقات له-: عكرمة مولى ابن عبّاس، مكّيّ تابعيّ ثقة، بريء ممّا يرميه الناس به من الحروريّة. و قال ابن جرير: لو كان كلّ من ادُّعي عليه مذهب
[١] -. تهذيب التهذيب، ج ٧، ص ٢٦٨؛ في ميزان الاعتدال، ج ٣، ص ٩٥: قال مطرف: سمعتُ مالكا يكره أن يَذكُرَ عكرمة، و لا رأى أن يروي عنه.
[٢] -. لم نجد فقيها من فقهاء ذلك العهد، كان قد سلم من ذلك، لا سيّما إذا كان الأمير صالحا، و كان الفقيه بحاجة، كما هو الشأن في مثل عكرمة. فقد قيل له: ما جاء بك إلى هذه البلاد؟ قال: الحاجة الطبقات، ج ٥، ص ٢١٤. و في رواية: أسعى على عيالي( مقدّمة فتح الباري، ص ٤٢٦).
[٣] -. مقدّمة فتح الباري، ص ٤٢٤- ٤٢٧.
[٤] -. ما من مذهب و طريقة إلّا و يتوافق بعض مسائله مع مسائل مذاهب آخرين، و هذا لا يعني التوافق في الاصول و في كلّ الاتّجاهات. نعم، الذين فيقلوبهم زيغ، يتّبعون ما تشابه ابتغاء الفتنة و سعيا وراء الفساد في الأرض.